أن يتحول الفضاء التشكيلي إلى ما يشبه كرنفالاً، ينخرط ضمنه الفنانون مع الزائرين، فتلك السمة النموذجية للتفاعل الإبداعي بين الفنان والجمهور.. هكذا أرادت الفنانة المغربية أمينة أكزناي من ورشتها ومعرضها اللذين شغلا مساحات واسعة من مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية في المنطقة القديمة من مدينة أصيلة ضمن فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي الثامن والثلاثين الذي اختتم أخيراً.

الورشة فتحت أبوابها  للزائرين على مدى أسبوعين، حيث شارك كثيرون في تبلور العملية الإبداعية وتغييرها لمعالم المكان. وإلى جانب الورشة، وقفت أمينة أكزناي إلى جانب أعمالها التي ألقت الضوء على تجاربها في المجوهرات، والعمل مع الحرفيين، وورشات العمل التعليمية والنصب الفنية، وإضفاء البصمة الفنية على المواد والمهارات الحرفية.

وسط إبداعي

أمينة أكزناي التي نشأت في الدار البيضاء وسط بيئة إبداعية، قصدت أصيلة قبل 38 عاماً، برفقة والدتها الفنانة مليكة أكزناي، التي حضرت ضيفة مشاركة في ورشات الفنون التشكيلية، في الموسم الثقافي الدولي الذي انطلق في نسخته الأولى مطلع صيف العام 1978.. يومها بدأت أمينة انخراطها في ورشات الرسم المخصصة للأطفال، ومنذ ذلك الحين، ظلت تواكب هذا الحدث السنوي، إلى جانب والدتها.

تقول أمينة: كبرت مع «موسم أصيلة»، حضرته مند البداية، ولم يفتني أي من دوراته، وصرت أشعر أن هذا الحدث السنوي يسري في دمي، لكن هذه المرة الأولى التي أشارك فيه كمصممة مجوهرات وحليّ. بعد أن طلب مني المنظمون أن أعرض كيف أشتغل على المادة، وأطورّ أفكاري، إذ أنني أبدع في أي مادة بديلة، إن لم أجد المادة التي أبحث عنها.

احتفاء بالعمل اليدوي

في هذه التظاهرة التي شكلت تكريماً للعمل اليدوي والصناعة التقليدية المغربية والإبداع في التنمية البشرية، واكبت أمينة أكزناي الفنانين محمد رشدي وشافية بن عيسى، وكانت بمثابة احتفاء خاص بصديقة قديمة، باتت تعتبر ابنة موسم أصيلة حيث أفسح لها المنظمون مساحات رحبة، للتعبير عن مقاربتها الإبداعية من خلال ورشة عمل تفاعلية جماعية بالتعاون مع «معلمات» أصيلة وجمهور المدينة.

انتشرت  الورشة في ثلاثة فضاءات، ما منح المتلقي فسحة الانتقال من الورشة، إلى معرض أقيم على الجدران وضمن مستطيلات زجاجية على شكل واجهة طويلة، أتاحت عرض أعمال فنية مثيرة للدهشة والإعجاب، مروراً بفضاء مخصص للبث السمعي والبصري.

أمينة التي تخرجت من الولايات المتحدة مهندسة معمارية، أبدعت في فنون التشكيل والتصميم، وعملت معلمة في الورشات، تركّز على العمل مع الصانعات التقليديات «معلمات أصيلة»، وفي العديد من المناطق المغربية (الأطلس المتوسط على سبيل المثال) اللواتي يختزنّ كنزاً من المهارات الفنية المتوارثة في صناعات الحلي والخزف والطين والصوف وغيرها من المواد.

وترتسم على وجه أمينة علامات السعادة، حين تتحدث عن أجواء الورشة: لا حدود للخيال عند اشتغالي مع المعلمات ومع المعلمين أيضاً، بفضل التفاعل الإنساني الرائع مع مبدعين ومبدعات بالفطرة والتجربة والاحتكاك.

النظرة إلى المواد

تشتغل الفنانة المغربية ذات الرؤى المتنوعة بشكل بديع على المواد الميكروسكوبية، وتبدع حليّاً دقيقة جداً، وكل ذلك يندرج في إطار البحث عن جماليات المادة، ولهذا فهي تهتم ليس فقط بالذهب والفضة، ولكن أيضا بالورق والصوف والأحجار والبلاستيك، وكل ما له علاقة بالمعدن والنباتات.

عن سر علاقتها بالمواد، تقول: أحب بلورة أفكاري من خلالها، لأنها تلائمني. فكرت أن لا أحصر عملي على الذهب والفضة والأحجار الكريمة فقط، وبأنه يمكنني الاشتغال على أشياء أخرى، ثم نظرت إلى تلك الأحجار البسيطة التي نشتغل عليها في «الجلابة» وكيفية جعلها مثل العقيق. هناك مواد كثيرة اشتغل عليها، كالحرير الذي نستعمله في الطرز، الكروشيه أو الجلد وهي حرف مغربية أيضاً.

في ختام جلستنا، أمام معروضاتها المدهشة بأفكارها وأشكالها وعناصرها، تؤكد أمينة أكزناي بأنها تجد نفسها دائماً في طور التعلم، وذلك يتجلى بتلقّفها الأشياء العادية التي تتحول في ناظريها إلى محط اندهاش وانبهار، وتشير إلى أن ما يهمها في العمل الفني، هو ارتباطه بالمجال الاجتماعي والتنمية البشرية، وأن لا يبقى مجرد أفكار مجردة.

سيرة

Ⅶ ولدت أمينة أكزناي سنة 1963 في الدار البيضاء، وتخرجت سنة 1989 مهندسة معمارية من الجامعة الكاثوليكية الأميركية في واشنطن.  أشرفت على العديد من الورشات الفنية في الولايات المتحدة والمغرب. ثم انخرطت في مجال التصميم والفن والمجوهرات. 

  ومن أهم محطاتها الفنية، معرض في معهد العالم العربي في باريس سنة 1999، كما شاركت في عروض جماعية ومعارض فنية في أنحاء عدة من العالم.