العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    صيفها هواءٌ عليلٌ وورشات للرسم والحفر والنحت والكتابة

    أصيلة مدينة الفنون تفيض أشكالاً وألواناً

    صورة

    لا تطأ قدماك ساحة أو شارعاً أو زقاقاً في صيف مدينة أصيلة الساكنة على ضفة المحيط الأطلسي في شمال المملكة المغربية، إلا وتقابلك الأشكال والألوان المشغولة برؤى صاغها فنانون من أبناء البلاد والعالم خلال موسمها الثقافي الدولي، الذي لا يزال حريصاً على موعده السنوي منذ 38 عاماً.

    فنانون توزعت مشاغلهم بين معارض وورشات أقيمت في قصر الثقافة ومركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية، إضافة إلى العمل في الهواء الطلق على جداريات في ساحات وأزقة المنطقة القديمة.

    هواءٌ عليلٌ، وفضاءٌ ساحرٌ يجذبان الزائر للمشي في الطريق نحو المنطقة التاريخية بدروبها الضيقة ومنازلها المتشحة بالبياض والزرقة في تراصّ جميل، وأبوابها ونوافذها الملونة بزرقة مُشعة واخضرار براق، وجدارياتها المُزينة برسوم فنانين تشكيليين من مختلف المدارس والأجيال، والأسوار المحيطة بها التي يعود تاريخها إلى عهد البرتغاليين. تلك الأحياء العتيقة تتميز بنظافتها الفائقة والتنافس الكبير بين سكانها في تزيين واجهات بيوتهم بالنباتات والورود، وهو ما يتيح لأحدهم فرصة الفوز بجائزة البيئة التي يتم الإعلان عن نتائجها في ختام الموسم الثقافي.

    إبداعات المدينة العتيقة

    كانت الجداريات تظهر تباعاً على جدران الأزقة الأنيقة بألوانها الزرقاء والبيضاء. شاهدنا مجموعة من الأطفال ومعهم المشرف على عملهم الفنان البحريني علي حسين ميرزا الذي قال: أسعدني أكثر هذا الموسم وجودي مع الأطفال وهم يرسمون للمرة الأولى جدارية في المدينة، لاقت أصداءً طيبة كونها تنضم إلى مثيلاتها التي يضمها معرض الفنانين الكبار في رواق مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية، وهذا ما يعطي دافعاً أكبر للأطفال لمزيد من الإبداع. يضيف علي ميرزا: هذه مشاركتي الثالثة في موسم أصيلة، الأولى كانت في ورشة الصباغة والحفر، أما المشاركتان التاليتان، فقد كلفت بالإشراف على ورشة الأطفال، وأعمل أيضاً في ورشة الحفر إلى جانب الفنان الياباني أكيمي نوغوشي.

    يرى ميرزا أن مرسم الطفل كان مميزاً بحصاده، إذ احتشد فيه 200 طفل في الفترتين الصباحية والمسائية، وشهد تفاعلاً جميلاً من أهالي المشاركين. ويقول: نمنح الأطفال الحرية أكثر في اختيار المواضيع خلافاً للكبار، فأنا أحاول تبديد هواجسهم من الألوان والمساحات البيضاء، وأراهم متأثرين جداً ببيئة أصيلة وخصوصاً اللون الأزرق والبحر وزخرفة الأبواب والنوافذ. أما الكبار( 13 _14 عاماً) فأعلمهم الأساسيات، وأساعدهم في الفكرة، ثم أترك لهم حرية الإنجاز.

    صباغة وحفر

    في محاولة لاكتشاف ما يخبئه لنا مشغل قصر الثقافة، بورشاته المتنوعة، ندخل لنرى بأم الأعين فنانين من جنسيات مختلفة، قدموا من أربع جهات الأرض، وتجاوروا في عشق الفن. توافدوا من أنحاء المغرب ومصر والأردن وفلسطين والسودان والبحرين وفرنسا واليابان والأرجنتين وكوريا وإسبانيا والسنغال.

    قبل 38 عاماً، أي مع انطلاقة موسم أصيلة الثقافي الدولي، بدأت مليكة أكزناي المقيمة في الدار البيضاء علاقتها مع هذه التظاهرة الدولية. تقول الفنانة المغربية المشرفة على ورشة الحفر: تمكنت من إنجاز عمل وحيد بعنوان «العنكبوت» يتضمن كلمات أحبها، السلام والمحبة والتواضع والكرم والحنان، وكلها مكتوبة في اللوحة، العنكبوت بخيوطه يحاول حماية نفسه من الأذى، وأن يستمر في حياته بسلام.

    أما زميلتها في الإشراف على الورشة، الفنانة المغربية سناء السرغيني القادمة من الرباط، فقد بدأت مشاركتها في موسم العام 1989، تقول: منذ ذلك الحين اكتسبت حب العمل في فن الحفر، وأصبحت تقنياتي تزداد تطوراً كل سنة. وتضيف قائلة: في الحقيقة فن الحفر يتطلب الصبر والمجهود، ولهذا لم أتمكن من إنجاز أكثر من لوحتين واحدة على الزنك والثانية على معدن النحاس. وأنا دائماً أهتم في أعمالي بتوازن الألوان وجمالية اللوحة، كما أركّز على تقنية الضوء والظل.

    أجيال عدة ورؤى مختلفة

    واللافت في موسم أصيلة، تواصل الأجيال، إذ يشهد في محطاته المتواصلة انضمام الأبناء إلى آبائهم وأمهاتهم من الفنانين والفنانات، هكذا بدأت الفنانة الشابة كنزة غنام، مشاركتها منذ العام 2007، من خلال مرسم الأطفال. كنزة ابنة الفنانة سناء السرغيني طالبة في البكالوريا – قسم أول، تقول: أشارك في ورشة الحفر للمرة الأولى، بعد مشاركتي في المواسم التسعة السابقة في مرسم الأطفال، وبعد أن اندمجت في هذه الورشة لاحظت أن الفرق كبير بين تجربتي السابقة وفن الحفر الذي ابتكرت فيه الكثير من الأفكار مثل السمك والبحر اللذين يعبران عن مدينة أصيلة وشاطئها الممتد وصياديها. كما أنني أحب كل يوم الصعود فوق شرفة قصر الثقافة لمشاهدة منظر الغروب الهائل، في الحقيقة تعجبني أصيلة ببحرها وغروبها، وكذلك طقسها الجميل وأجوائها الهادئة.

    ألوان المدينة

    الفنان عبد السلام سالم عبد السلام (مصر)، الذي يعمل أستاذاً في كلية الفنون الجميلة، أعرب عن سعادته بمشاركته الأولى في موسم أصيلة الثقافي، وقال: أحببت أن أدخل البهجة على لوحاتي، كما في هذه المدينة التي أحببت تصالح ناسها مع أنفسهم، كل هذه الأشياء لابد من أن تؤثر على أعمالي، وتجعل فيها فرحة الألوان التي استعملتها بتقنية عالية جداً، والتي تتجلى في غروب يوحي بوجود جبال، إنها تجربة فعلية صادقة ظهرت جلياً في أعمالي.

    في الجوار، كان الفنان محمد العامري (الأردن) يضع لمساته الأخيرة على لوحته الثانية، قال: اسميت لوحتاي «أصيلة 1» و«أصيلة 2»، وهما عمل طقوسي له علاقة بمؤثرات الضوء والسماء والمساحات الهائلة الزرقاء من الأبواب، وصولاً إلى المحيط، سيادة اللون الأبيض، وطبيعة الظلال، كل هذه المفردات تحققت في عملي بالفعل التجريبي. وأضاف: تأثرت أعمالي كثيراً بألوان أصيلة الأزرق والأبيض بخاصة، والغروب الذي أشاهده يومياً فوق القلعة البرتغالية التاريخية. انطلى هذا الانطباع على لوحتيّ من مساحات زرقاء و صفراء، وهذا يدل على كيفية تفاعل الفنان مع المحيط والحيز الجديد.

    اتخذت الفنانة التشكيلية هيلدا حياري (الأردن) ركنا من المكان، وشاهدناها منكبّة بريشتها على لوحة جديدة.. قالت: هذه المدينة تركت أثراً كبيراً في نفسي.. بكل صدق، أتمنى أن يكون لي بيت صغير فيها أمضي فيه إجازاتي، واشتغل أعمالي لأنها مدينة فنون مهيأة تماما لاستقبال محبي الفنون. وأضافت: أعمالي في أصيلة عبارة عن أربع لوحات تجسد الأم التي تعطي ولا تأخذ ولا تنتظر أي شئ من أبنائها.. كان في بالي وأنا أرسم، الأم اللاجئة بأطفالها، أم الشهيد والأرملة وكل من هم صامدون في هذا الزمن العجيب.

    في قاعة داخلية من المشغل، يجلس فنان الحفر الياباني الشهير أكيمي نوغوشي، أمام عمل يحكي عن الملاعق ومغزاها في الحياة، ملعقة الماء والشاي والسكر والدواء والملح، يعمل فيها حفراً بأشكال فنية فائقة الدقة. يربطها بالغيوم والأمل بهطول الغيث. يمزج أكيمي الواقع بالخيال، وتستحق أعماله الاحتفاء بها لفرادتها وفضاءاتها غير المتوقعة.

    كتابة وتشكيل.. تناغم لغتين

    على بعد أمتار قليلة من ورشتي الصباغة والحفر، قاعة فسيحة يملأها فتيان وفتيات، تتوزع فيها طاولات ومقاعد، في رحابها يقام سنوياً مشغل كتابة وإبداع الطفل، حيث يتناغم الذكاء اللغوي اللفظي مع الموهبة البصرية المكانية، أي المزاوجة بين الكتابة والتشكيل، وتلك تجربة غاية في الرحابة، كانت الساحة الثقافية العربية قد شهدت نماذج عديدة منها، وخاضها رواد من أمثال أدونيس ومحمد القاسمي، بينما استلهمت تجارب أخرى من اللوحة التشكيلية في كتابة القصيدة، وتشهد على ذلك أشعار ضياء العزاوي ومحمد بنيس وحسن نجمي وآخرين..

    اجتمعت في المكان، اللغة المكتوبة بالقلم، واللغة المرسومة بالريشة، كتب الأطفال قصصهم وقصائدهم ورسموا لوحاتهم الصغيرة، بينما كانت الشاعرة المغربية إكرام العبدي المشرفة على الورشة، تتفقد هذا وتلك من المشاركين، وقريباً منها، كان الشاعر أحمد العمراوي (المشرف على محترفات الكتابة في مدينة الرباط) يضفي بملاحظاته اللطيفة مزيداً من الثقة في نفوس المبدعين الصغار.

    سبع فنانات وسبعة أبواب

    في رواق مركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية، توزعت على الجدران لوحات معرض«سبع فنانات وسبعة أبواب» الذي ضم أعمال خريجات من المعهد الوطني للفنون الجميلة في تطوان التي تبعد عن أصيلة حوالى ساعة من الزمن، و هنّ: شمس الضحى أطاع الله، وسناء السرغيني (الرباط)، رحيمة العود (طنجة)، خديجة المسيري (مكناس)، مريم السعدي، ومنية التويس (تطوان)، وياسمينة الزيات (تزنيت). هذا المعرض الذي أقيم احتفالاً بالذكرى السبعين لتأسيس المعهد بمبادرة من الفنان الإسباني ماريانو برتوتشي عام 1946، جمع سبع فنانات، لكن كل واحدة منهن تعزف على انفراد، وكأن كل واحدة منهن دخلت المعهد وخرجت من أحد أبوابه السبعة.

    سبع فنانات قدمن من مدن عدة، واحتضنتهن مدينة أصيلة، التي أغرتهن بأناقتها حيث باحت كل واحدة بما لديها، بأفكارها وتأملاتها وإحساسها باللون والشكل والأضواء والظلال منطلقة من رهان الإضافة والفرادة الجذابة.

    شباب "زيلاشيون"

    الفنانون الزيلاشيون كان لهم حضورهم في الموسم السنوي على جاري العادة، والزيلاشي، كما هو معروف، صفة تطلق على أبناء مدينة أصيلة. وفي هذه الدورة احتضن رواق «ديوان» في قصر الثقافة معرضاً جماعياً للفنانين الزيلاشيين الشباب، شارك فيه كل من: رشيد البحري وإشراق بوعود وابتسام الشغدالي وربيع المسناني وطارق فايطح. وقدم كل منهم أعمالاً تتنوع بين الطبيعة والمكان والوجوه، و تواكب هموماً معاصرة وتقنيات حديثة.

    طباعة Email