«دور المسرح يكمن في أنه نبع التغيير في المجتمع»، جملة تسلح بها د. يحيى البشتاوي رئيس قسم الفنون المسرحية في الجامعة الأردنية، في كتابه «استلهام التراث في المسرح العربي»، ليذكرنا من خلالها بأهمية المسرح، لا سيما وأن البشتاوي يحمل بجعبته عديد الأعمال المقتبسة في بعضها عن روايات عربية.

لعل آخرها «أعراس آمنة» وهو العرض الذي ضجت به جنبات المسارح العربية لأكثر من 28 مرة، ومن قبله «عائد إلى حيفا» الذي جاء بصيغة الموندراما معيداً طرح أسئلة «حارة» طرحها الراحل غسان كنفاني في 1968 ولم تخفت «حرارتها» حتى يومنا الحاضر.

إذن نحن أمام عرضين استحضرا القضية الفلسطينية بكل عنفوانها، ورفعا «المقاومة» شعاراً لهما، ليعبرا في اسقاطاتهما عن حالة الواقع السياسي والاجتماعي العربي الراهن، ليبدو أن البشتاوي في أعماله المسرحية مسكون بهم الفلسطيني.

حيث أكد في حواره مع «البيان» أن تقديم «القضية الفلسطينية على الخشبة يستدعي وعياً وأسلوباً تفسيرياً لمجريات الصراع»، مبيناً أن الشاعرية التي امتازت بها «أعراس آمنة» استمدت مقوماتها من نص إبراهيم نصر الله الروائي، مشيراً إلى أن اشتغاله على النص الروائي يأتي في إطار اشتغاله على النص الخاص به.

منظومة إخراجية

من «جثة على الرصيف» لسعد الله ونوس، و«هند الباقية في وادي النسناس» لأميل حبيبي، إلى «عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني، شكلت الرواية مصدر إلهام للبشتاوي، للخروج منها بعروض مسرحية مهمة، تتسق مع طبيعة المسرح الملحمي.

حيث يقول البشتاوي عن سبب اتكائه على الرواية أنه «حينما أختار نصوصاً روائية بحجم الروايات التي قمت باختيارها، إنما أريد بناء النص الخاص بي إبداعياً وفكرياً انطلاقاً من تلك النصوص التي أصبحت تشكل مكانة عظيمة في مرجعيات المتلقي.

في هذا السياق لدي أكثر من تجربة في الاشتغال على النص الروائي وكل تلك التجارب هدفها التوصل إلى النص الخاص بي، وحينما قمت بإعداد مسرحية «أعراس آمنة» بنيت منظومتي الإخراجية انطلاقاً من منهجية المسرح الملحمي التي تتوافق في سرديتها مع سردية الرواية إلى حد ما».

واقع

رغم ما تحمله مسرحية «أعراس آمنة» من جراح، إلا أنها تصر في كل مرة أن تطل على الجمهور بهدوء من حيث تعابير وأصوات ممثليها، متجاوزة بذلك ما يحمله نصها من قضية شائكة.

وفي ذلك أشار البشتاوي بأن العرض جاء «ليعبر عن حالة من الاستيعاب الشامل للواقع السياسي العربي والفلسطيني»، قائلاً: «اعتمدت اللغة السمعية والبصرية التي يمكنها حمل هموم الإنسان الفلسطيني ومعاناته تحت الاحتلال، ولأن القضية الفلسطينية قضية معقدة فإن تقديمها يستدعي وعياً وأسلوباً تفسيرياً لمجريات الصراع، وبالتالي تطوير أساليب مقاومة جديدة، من هنا كان الاشتغال بهذا العرض على ضرورة كسب تواصل المتلقي منذ البداية ليكون له موقف من الأحداث التي تقدم أمامه».

شاعرية النص

بنص يفيض بالشاعرية قدم الكاتب إبراهيم نصر الله روايته «أعراس آمنة»، وعن الكيفية التي عولجت بها شاعرية النص وتجسيده على الخشبة، قال البشتاوي: «النص الروائي يظهر شخصية «آمنة»، التي تمثل شخصية المرأة الفلسطينية ضمن جوانبها النضالية المتعددة، كما تعبر عن شخصية المرأة المستضعفة».

وأضاف: «يمكن القول ان الشاعرية العالية التي يحفل بها نص المسرحية استمدت مقوماتها من طبيعة النص الروائي الذي أبدعه نصر الله، لاسيما وأنه جاء لعالم الرواية من الشعر، وهو يتصف بقدرته على التقاط عديد التفاصيل المرتبطة بالإنسان الفلسطيني تحت الاحتلال.

وهذه الشاعرية تطلبت أن يكون لدينا ممثل يمتلك قدرة التعبير عما يجول في دواخل الشخصيات، من هنا كان اختيار كل من الممثلين نهى سمارة وزيد خليل مصطفى لقناعتي التامة بقربهما من جوهر القضية وبالتالي يمكن أن يتمتع أداؤهما بالصدق الفني، إضافة إلى امكاناتهما الإبداعية العالية في فن التمثيل».

انطباعات

اوضح يحيي البشتاوي أن شخصيات العمل «عاشت في أسر بناء محدد، استدعى من الممثل والممثلة دقة الضبط الحركي، وبما يتوافق مع جوهر القضية التي تعرضها الأحداث، بهدف ايجاد الانطباعات الفكرية والجمالية التي تؤثر في المتلقي سمعياً وبصرياً».