على وقع إحدى حكايات العنصرية المستوحاة من إرث العبودية التي سادت فرنسا في القرون الماضية، رفع مهرجان السينما الفرنسية «فرانكو فيلم» الستار، أول من أمس، عن نسخته السادسة، التي انطلقت فعالياتها في صالات فوكس سينما بمول الإمارات، وتستمر حتى 6 الجاري، ليشكل المهرجان مناسبة جميلة لاستعادة تاريخ المهرج شوكولا المنسي وهو الذي شكل بقصته أحد فصول حكايات العبودية في فرنسا، فهو أحد اولئك «السود» الذين غادروا الدنيا بهدوء، بعد أن تناسته العاصمة باريس التي ضجت أزقتها وشوارعها بشهرته خلال فترة نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، أو ما يطلق عليها باسم «الفترة الجميلة»، حيث استطاع مع شريكه الأبيض «فوتيت» ولمدة تزيد عن 20 عاماً، أن يخترعا «كوميديا المهرّجين» التي تدور حول شخصيتين: المهرج الأبيض، المهرّج الأسود.

أسلوب درامي

يذكرنا هذا الفيلم الذي يحمل توقيع الجزائرية المقيمة في باريس، سامية شالا، بواقع «العنصرية» الذي طالما عانى منه ذوو البشرة السوداء في أوروبا، وفيه اعادت سامية كتابة سيرة المهرج باديلا، بطريقة درامية جميلة، تجاوزت فيها الأسلوب الوثائقي الذي اتبعته سابقاً في فيلم آخر حمل العنوان ذاته، ونفذته بالتعاون مع المخرج الفرنسي وتييري لوكلير، لتبين لنا أن «شوكولا» ولد في كنف اسرة عانت من العبودية وجيء بها من أفريقيا إلى كوبا، صار يتيما وهو في سن الطفولة بعد فقدانه لعائلته، وبيع إلى تاجر برتغالي ثم هرب إلى أوروبا، وفي أسبانيا التقى بمهرج معروف فجعله خادماً له، بعدما أعجب بقوته البدنية وبموهبته كراقص، وصل إلى باريس برفقة «فوتيت» ليعملا معاً في «السيرك الجديد»، حيث ذاع صيتهما، حتى افترقا في 1905، ليتابع «شوكولا» مسيرته بمفرده، محاولاً الانتقال لخشبة المسرح لأداء شخصية «أسود» في إحدى مسرحيات شكسبير، وهو ما لم يقبله الجمهور، ليغادر الخشبة وباريس نحو مدينة بوردو، حيث مات وحيداً منسياً في العام 1917.

 ورغم التركيز على سيرة «شوكولا» الذاتية، إلا أن المخرجة لم تتجاهل طبيعة الأجواء الاستعمارية الفرنسية انذاك، والتي برزت في المشهد الذي يزور فيه «شوكولا»، معرضاً تحضر فيه ثقافات الشعوب التي استعمرتها فرنسا، ليصطدم «شوكولا» هناك بواقع «السود» وطريقة معاملتهم.

قساوة

لعل أقسى مشاهد الفيلم الذي لعب بطولته الممثل عمر سي، برزت بطريقة معاملة «الأسود» والفكرة الذي ظلت مسيطرة على عقل «شوكولا» بأن «نجاحه» مرتبط بطاعته لشريكه الأبيض، ليكرس موهبته ليكون «عبداً» محبوباً، وعليه تحمل صفعات شريكه الأبيض وتجاهل ألمها أمام ضحكات الجمهور، وكذلك طريقة «تعذيب» «شوكولا» عندما أدخل للسجن لعدم امتلاكه أوراقاً ثبوتية، حيث يطلب المأمور من جنوده أن «ينظفوه»، وهو ما كان له وقع مرير بقلب «شوكولا» الذي يبدأ بالاقتناع أن عليه رفض الإهانة الموجهة إليه والتوقف عن تقبل صفعات شريكه الأبيض، والبدء بتغيير نفسه، عبر تقديمها على خشبة المسرح بقالب جديد.

المخرجة سامية لم تجنح إلى تغيير إيقاع الفيلم الدرامي بين صعود وهبوط، لتأتي المشاهد ذات ايقاع واحد فقط، رغم احتضان الفيلم لمشاهد صعبة كان لها أن ترفع وتيرة الإيقاع وحجم الدراما، التي لعب الممثل عمر سي دوراً مهماً في تقديمها بصورة جميلة، حيث استطاع ان يتقمص شخصية «المهرج» بصورة جميلة، قريبة إلى القلب.