خلال عرض إماراتي متميز في «مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما»

«ماذا أنتظر؟».. جدلية العلاقة بين ابن ووالده

■ فريق العمل الخراز وراشد وأمان بعد التكريم | البيان

عاد الجمهور بعد متابعته لعروض الفجيرة الموسيقية، لحضور العرض الإماراتي الأخير «ماذا أنتظر؟» في الدورة السابعة من «مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما» والذي يتناول فكرة اجتماعية نقدية تتمحور حول تبعات وتراكمات العلاقة بين أب وابنه.

الابن الذي جسد دوره الممثل الشاب جاسم الخراز الذي يبدأ العرض، بدخوله غرفة والده المريض في العناية المركزة بأحد المشافي، بعد عودته من دراسته. ويتجلى من اللحظة الأولى لأداء الخراز ارتباك العلاقة بينهما، بعد دهشة الابن من مشاهدة والده بحالة تناقض صورته السابقة عنده التي مثلت سطوته وجبروته عليه.

وتبدأ رحلة التداعي التي تكشف هذه العلاقة المرتبكة منذ الطفولة، ليحكي الابن لأول مرة في حضرة والده بحرية عن مكنوناته وذكرياته في حضرة والده الذي يسمع الجمهور صوت خرير أنفاسه ونبضات قلبه وحشرجات صوته بين الحين والآخر لتعكس ألمه مما يسمعه.

طوفان الدموع

يستحضر الابن حادثة من البدايات، حينما أجبره والده وهو طفل على التخلي عن ألعابه الخاصة التي تنمي الخيال والفكر، ليأخذه عنوة إلى ملعب كرة القدم ليلعب كالصبية الآخرين. ويرسم بسرده مشهد والدته التي يغزوها طوفان من الدموع دون القدرة على الدفاع عنه.

ويعيد تسارع أنفاس والده إلى الحاضر ليعتذر له عن سرد ذكرياته السيئة التي تفسد لحظاتهما الخاصة تلك. ويحاول تدارك الأمر بقراءة الجريدة له، ويختار بعد تصفحها أن يقرأ له حادثة انتحار شاب حقق في حياته نجاحات على مختلف الأصعدة العمل والعائلة وكل ما يحلم به إنسان، ويطرح تساؤلاته عن المبرر الذي يدفع شاباً مثله إلى إنهاء حياته.

ينتقل بعدها إلى شخصية الرجل الغريب الأطوار الذي كلّفه والده بمتابعة حياة أسرته في ظل غيابه الطويل عنهما، ورفضه الاعتراف بتوجسات أمه التي نقلتها له، والتي كان ضحيتها الابن الذي أصبح في الرابعة عشرة من عمره. وحينما يُسّر الابن لأمه بواقعة اعتدائه عليه، تعجز الأم عن حمايته وتفارق الحياة ألماً وحزناً، مما يضطره إلى الهرب وهو في السادسة عشرة.

بعد الهرب

يعود الابن إلى الحاضر مجدداً ويخرج من حقيبته شهادة تخرجه كطبيب، ليحدثه عن حلمه الطويل في العودة ليرفع رأس والده بشهادته ونجاحه، عبر شريط الذكريات، ليتابع مجريات حياته بمصادقة شاب ساعده على متابعة دراسته، والذي أصر على قيامه بزيارة والده بعد خبر مرضه ومسامحته على الماضي، وفي الوقت نفسه إنهاء صداقتهما بدافع مخاوف الشاب من تبعات تلك الصداقة.

ويتابع من حيث توقف ويخبره كيف أنه درس الطب لأجله كي يثبت له نجاحه على الرغم من حبه للفن والرسم الذي لم يتوقف عنه كهواية، ويعلق على سرير والده إحدى لوحاته التي رسمها بالأبيض والأسود طالباً من والده اختيار تلوينها بما يشاء.

وتأتي نهاية العرض بكشف الابن عن هوية الشاب الذي اختار الانتحار، والذي لم يكن سوى الصديق الذي أخذ بيده، ليخبره أن انتحاره كان بدافع غربته عن نفسه والتي جسّدت الانصياع لرغبات أحلام أسرته له، من اختيار نوعية الدراسة والمهنة والزوجة وغيرها.

ويتفجر غضب الابن بإخباره أنه اختار الانتحار وحيداً دونه، ويقول له أنه بدأ برحلة تطهره من الداخل، وينهي بوحه قبل انسحابه بجملته الأخيرة «لأول مرة كنت مستمعاً جيداً لي يا والدي». وما إن يغادر الفتى الغرفة حتى تتصاعد أنفاس الأب ليفارق الحياة.

انطباعات

تمكن حافظ أمان كاتب النص ومخرجه من تقديم دراما مسرحية تعتمد على العلاقة الجدلية المركبة لأعماق النفس، واستطاع الاستئثار باهتمام الجمهور لا سيما وأن النص باللغة العربية الفصحى، وأجاد الممثل الخراز في أداء دوره وتجسيد التحولات.

وتناول الحضور في جلسة النقاش التي تلت العرض بعض المآخذ للارتقاء بالعرض، منها إعطاء الإضاءة التي نفذها المسرحي راشد عبدالله اهتماماً أكبر في تصعيد التأثير الدرامي، كذلك ملاحظة المسرحي السوري المخضرم فرحان بلبل الذي أبدى رأيه خارج الجلسة قائلا: «ما يرفع من قوة العرض عدم الكشف عن تحولات الابن حتى المشهد الأخير الذي يمثل صدمة للمشاهد وخاتمة قوية للعمل، وبذا يترك الحكم له».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات