في تحليل عميق للوحات بيكاسو وبراك، يمكن الوصول إلى مدى تأثير السينما على أعمال هذين الفنانين التكعيبيين. هذا ما أبرزه الفيلم الوثائقي «بيكاسو وبراك يذهبان إلى السينما» والذي عرض مساء أول من أمس في منارة السعديات في أبوظبي، ضمن سلسلة عروض «الفن السابع» التي تقام بالتعاون بين «إيمج نيشن» وهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة. وبدأ الفيلم بسؤال «كيف تؤثر السينما على الفنانين».

من وحي السينما

الفيلم الذي أنتجه مارتن سكورسيس «راوي الأحداث» وأخرجه المخرج والفنان آرن غليشمر في العام 2008 استشهد بعدد من الفنانين المعاصرين والسينمائيين، لتحليل الأعمال الفنية وربطها بمشاهد سينمائية، ولكن بعد أن استهل الفيلم بالتعريف بالفنانين، بيكاسو المولود في إسبانيا 1881 وكان والده مدرساً للرسم، وبراك المولود في فرنسا عام 1882 لأهل يعملون في الديكور، إلا أنه اختار فيما بعد أن يكون رساما وليس فني ديكور.

وتتوالى مشاهد الفيلم التي تحدثت بشكل أوسع عن تجربة بيكاسو الذي ذهب للمرة الأولى إلى السينما عام 1896عندما كان بعمر 15 سنة، وكان الفيلم الذي عرض في برشلونة يتحدث عن كتيبة الفرسان، ليعود من بعدها بيكاسو ويرسم هؤلاء الفرسان.

وتتوالى المشاهد لتعود إلى بدايات السينما في القرن العشرين، وتستعرض تقنيات وفرتها الآلة السينمائية التي كانت مسؤولة عن تسريع أو إبطاء المشاهد، وهو ما أثر في أعمال بيكاسو وبراك اللذين عملا على تشريح الحركة وتحليل المقاطع الزمنية في سرعات متعددة.

 كما عمد بيكاسو من بعد رؤيته للعديد من المشاهد التي تجيز كل شيء، على إدخال أعضاء الجسم في بعضها البعض، كما أدخل النوتات الموسيقية وحدث كل هذا بعد انتقاله للعيش في باريس، وتردده على دور السينما التي كانت تنتشر حينها في عاصمة النور، إلا أن أكثر ما أثر فيه «الرقصة الأفعوانية» والتي تقوم على فكرة الحركة والصوت.

تأثر

عرض الفيلم بعض المشاهد من أفلام لوميير، أديسون، وفرانكشتين. ليقارن النقاد بين هذه المشاهد ولوحة بيكاسو «آنسات أفنيون» التي اعتمدت على تقطيع وتجميع الأجساد، لتبدو وكأنها أجساد تتحرك، إنها الحركة الرخوة التي تتناسب مع حركة السينما، كما انعكست مشاهدته لفيلم أديسون على أعماله بين عامي 1907 و1908.

كما اتسمت لوحات براك كذلك في لوحات مزجت الحركة بالسكون، بعيدا عن التقيد بما كان سائدا من قبل، حتى إن بيكاسو أعاد تسمية بعض الشخصيات التي كانت منتشرة، وغامضة، وقدم لوحات لم تكن تتناسب مع المزاج الفرنسي الذي كان سائدا في ذلك الوقت.

ولم يقتصر استعراض الفيلم للانعكاس السينمائي على أعمال براك وبيكاسو بل بين التأثير الذي شكلته علاقتهما مع العديد من الشعراء، والمثقفين، وعلاقتهما مع بعض كفنانين، إذ كان بيكاسو لا ينتهي من لوحة إلا إذا شاهدها براك، وكذلك براك لا ينتهي من لوحته إلا إذا شاهدها بيكاسو، وبقي بيكاسو الأكثر صعوبة وعجلة كونه جريئاً، أما براك فهو أكثر هدوءاً.

وأثار الفيلم فكرة استمرار تأثر الفنانين المعاصرين بالسينما، أمثال تشاك كلوز، إيرك فيش، روبرت ويتمان وآخرين.

رقصة الباليه

قدم الفنان الفرنسي التكعيبي فيرناند ليجيه فيلما قصيرا صامتا في العام 1924 اعتبر لغاية الآن واحدا من أكثر الأعمال السينمائية التجريبية تأثيرا في تاريخ صناعة السينما بسبب اعتماده على سلسلة صور آلية متكررة.