فرجة بصرية درامية شعرية بقوام معاني القيم والمثل وأخلاق فرسان الخير والسلام، قبالة سواد ليل غربان الغيرة والدمار، وقصة العشق بين الصبية «شموس» التي تتغنى في أشعارها بحبيبها الفارس «سيد الميزايين» الذي لا تكتحل عيناها برؤيته سنوات وسنوات، وخطف فرحتهما سواد الغربان الذين أغاروا على قصر شموس، لغاية في نفس قائدهم غيران الذي يسعى إلى كسر الفارس الذي يغار من شعره ويكره فراسته ونبله وصدقه، آملاً في إحراق قلبه وإسكات إلهامه ووأد طموحه، ومتحدياً قدرته على تحريرها.
ويرحل الفارس برفقة جيشه باحثاً عن أعداء الحب والسلام ليستعيد حبيبته، ويناجيها في أشعاره، ويظهر نخوة الفارس الشهم، فهو معتصمٌ يلبي نداءها من قريب أو بعيد، ليتوعد خفافيش ثقوب الخرائب.
وتحط به الرحال في أرض تسرّ العين والخاطر، لتستقبله «مضيافة» التي تحمل سر الأمومة ينبوع الحب والتي تخبره بأنها كانت بانتظار قدومه منذ سنوات، فيشكو لها ثقل لقب الفارس على نفسه، لكنها تجيبه بلغة الأمل قائلة: «ستحمل آمالاً كثيرة بالوعد والسعة».
وبعد اسكتش غنائي راقص، يقول الفارس لمضيافة: «وجهتي المجد والرفعة.. صاحب الرؤية لا بد أن يكون حالماً يبحث عن صوت الحكمة»، فتجيبه مضيافة: «الحكيم من يزرع صوته في العقول الكبيرة والقلوب المحبة».
لوعة العاشقين
وعودة إلى لوعة العاشقين بين شموس التي تناجيه من مكان أسرها في الخرائب، والفارس الذي يقول في أقسى المحن: «اصبر على الدهر وجازيه بإحسان»، ليصل في ترحاله إلى مكانها، لكن فرحتهما لا تكتمل بعودة سود الغربان الذين يأسرونها مجدداً ليعود كسير الخاطر والروح، وتدور معركة حامية الوطيس بين الجيشين، لنجد النساء يحاربن مع الرجال في جيشه.
وننتقل مع الفارس إلى مملكة الرجل الحكيم الذي يستضيف غيران وفارس، لتبدأ بينهما مناظرة شعرية تقزم مكانة غيران أمام نفسه والحضور، ليقول الحكيم لفارس: «اذهب وابنِ مدينتك». ويطوي الفارس القفار ليصل إلى سوق المدينة، ويحكي الفارس مع شهبندر التجار الذي يسأله عن غايته، ليجيبه أنه يحلم بمدينة مفعمة بالحياة والإبداع، لا يوجد فيها مكان للحرب أو الكراهية.
سينما ومسرح
ما أضاف إلى جمالية هذه الملحمة المسرحية أو الأوبريت، الجمع بين السينما والمسرح، مما عزز من مخيلة الجو الدرامي، خاصة في المشاهد التي كان الفيلم يؤدي فيها دور ديكور الخلفية، مضيفاً بعداً وعمقاً للمكان، مثل قصر شموس، حيث تطل نوافذ قاعتها ذات الأقواس على ليل متلألئ بالنجوم المنعكسة، وغلالات نوافذها الشفيفة تتهادى مع النسيم العليل الذي يعيشه الزائر، كما في أجواء ألف ليلة وليلة بعوالمها الشرقية السحرية ومشهد السوق في المدينة، كذلك مشاهد الحوار المتخيل بين شموس الأسيرة في الفيلم السينمائي التي تناجي فارسها الجالس في المسرح.
تفاعل الجمهور
اعتمدت سينوغرافيا العمل على تباين مستويات خشبة المسرح التي تعيد إلى الذاكرة أعمال الأخوين الرحباني، حيث تتوزع جوقات الفرقة بين ثلاثة أجزاء، إلى اليمين واليسار كجمهور داخلي، ليأخذ حوار الممثلين والعروض الراقصة في مساحة مركز وعمق المسرح، ليتفاعل الجمهور مع الاسكتش الراقص للشعوب في السوق.
تنوع موسيقي
كما تميز العرض بالموسيقى المتنوعة بين الوجدانية والحماسية الوطنية إلى المدرسة الرحبانية مع معزوفة للفالز، كما تنوعت الأزياء بين حياة القصور والحروب، لتشكل أزياء الراقصين لوحات لونية مشرقة بحيويتها وتماوجها، لتأخذ أزياء المشهد الأخير خصوصية المكان والحلم.
