أطالت ابنة مدينة مادبا الأردنية مكادي نحاس بحضورها السخي البهاء والمفرط في العذوبة والرقي، وقفت على خشبة مسرح مؤسسة سلطان العويس الثقافية التي احتضنت حفلها الغنائي أول من أمس، مكادي صوت الحرية الجامح، الباحث عن جذوره على امتداد الوطن العربي تتغنى بأطيافه المشرقية وتراثه المغموس بالأصالة في لهجات متعددة تمرست في أجادتها من المحيط إلى الخليج، وأسبغت عليه رؤيتها الفنية التي زاوجت بين إيقاعاته الشرقية والغربية.
صوت الحرية
مكادي ومعناها «الحرية» حققت حلم الأب الكاتب والسياسي سالم النحاس الذي أراد أن تكون الحرية والإرادة مرادفاً لحياتها وشخصيتها، فمنحها اسمها هذا ذو الأصول الأفريقية، فلم يكن عبثياً ذا إيقاع مرهف أو غياهب أنثى ثورية ولدت من رحم قصيدة ملحمية للشاعر عبد الباسط الصوفي الباحث عن مكاده وعن شهرزاده..
فيما يشبه رغبة في تحديد موقفه من الذات والآخر، فهي اليوم تعطي نفساً جديداً للموسيقى تسافر بالأسماع من خلال أدائها لأغانٍ عربية خالدة بالتوازي مع مشروعها الأخير الرامي إلى رد الاعتبار للموسيقى التراثية في الثقافة العربية.
هوية تراثية
خلال الحفل الذي قدم على فقرتين أمتعت مكادي الحضور بأدائها غير الملتزم بمرجعية حاسمة لأغنيات من التراث العراقي و«ع الميمر»، إضافة إلى «جي مالي والي» وأجادت بحس مفرط في الصفاء والعذوبة رائعة فيروز «أنا لحبيبي» ونسجت صوتها النقي في أداء كلمات أغنية «انت الحلا» خطتها لأبنها «جود» من ألحانها أيضاً ..
وهذا يدل على رحابة الأفق الداخلي لديها، هذا الأفق الثائر في فضاء الالتزام الكلاسيكي المعتق بروح الماضي لتصدح برائعة بديع خيرى وسيد درويش «طلعت يا محلا نورها» ليتفاعل معها الجمهور المتعطش لموسيقى الزمن الجميل وإرثه العريق..
وكأنه يبحث عن حكمة تضيء عوالم الغناء في الزمن الحاضر، فكان جوابها وقرارها كدواء شافٍ في جسد النغم، ملتزماً بقضية الهوية وتوظيفاً لرؤيتها فكل ما تجده مناسباً لتجربته كما هو الحال في أغنية «ما في حدا» و«يما مويل الهوى»، وتستقي من الوجودية ما تجده معبراً عن حالات ومشاعر خفية ترددها في أغنية «عمي يا أبو الفانوس» و«ليلة».
النغم الرمزي
ويكمل الحفل في فقرته الأخيرة بسيل من الأغنيات المطعمة بالأساليب الرمزية في بعض صورها تلعب على الأوتار اللاتينية مثل بوسا نوفا والتانغو، الأمر الذي يضيف نكهة خاصة على الأنغام والمقامات العربية، ويبقي على الروح الشرقية فيه..
ومنها أغنية «رحل» التي تضمنت ألبومها الأخير «نور» الذي صدر في عام 2014 بمشاركة شعراء من العالم العربي هم عدنان العودة التي غنت له في الأمسية «تيجي نسافر» وهاني نديم من سوريا، ومحمود درويش،، إضافة إلى نصين أحدهما لنون السعدي، والآخر لجدة مكادي، خضرا نحاس، فضلاً عن نصوص لمكادي التي قامت أيضاً بتلحين معظمها إلى جانب الملحن والمؤلف اللبناني مايك ماسي الذي لحن أغنيتين في هذا العمل.
صوت متجدد
بغنائها «نتالي» من كلمات وألحان حسام تحسين بيك ، وتوزيعها تتجاوز مكادي في تجربتها تعبيرات الحزن والتشاؤم والوحدة والعزلة والقلق والسأم والفراغ والعبث.. ويغدو من الصعب إرجاع قصائد غنتها إلى مدارس بعينها.
بحيث نجد تداخلاً واشتباكاً بين كل المفهومات ضمن سياق فني واحد تنظمه التجربة الذاتية، وليس الثقافة المسبقة كما هو الحال مع الموشح الأندلسي القديم المتجدد «لما بدى يتثنى» بصوت من صدحوا به قبلها ، لم تكن رومانسية مكادي ورمزيتها ووجوديتها عبارة عن تأثرات بالمراجع الغربية فقط، فهي ذات موقع واضح غير تابع، يصدر عن علاقة خاصة مع الذات والكون والرجل والوطن كما أثبتت من خلال خياراتها الدقيقة لغناء «صغيرة كنت» و«يا عمه»، ان هناك علاقةما ، لا تنتظر مرجعاً يحددها، بل هي تتعمق باطلاعها على ثقافات الآخرين.
في ختام الحفل الذي انتهى بتصفيق حاد في إصرار المستغيث أن تكمل مكادي ما بدأت، ظل الكثير من الحاضرين جالسين بين سحاب الكلمات وفضاء الأصالة الذي حمل غيثها، فربما تعود.
