في الدائرة الباريسية التاسعة، بين «أوبرا غارنييه» واحدة من أجمل دور الأوبرا في العالم ومن أهم المعالم الثقافية بفرنسا التي يعود تاريخ بنائها إلى القرن التاسع عشر، وأسواق «غالييه لافايت» الشهيرة التي تصنع أفراح الملايين من المتسوقين السياح يوميا بمحلاتها للموضة والأناقة على الطريقة الفرنسية، يسكن متحف صغير في الطابق الأول من فندق خاص بإحدى البنايات ذات التصميم المعماري النابوليوني القديم وهو متحف العطور.
روائح العطور الجميلة تنبعث منه إلى الخارج، طوابير طويلة للزوار، البعض ينتظر منذ ساعات طويلة، غالبيتهم من السياح الآسيويين ينتظرون دورهم لاكتشاف عوالم العطورعلى الطريقة الفرنسية، فقصة فرنسا مع العطور قديمة جدا، ولها الكثير من ما تحكيه عن عطور ملوكها وأميراتها الذين تداولوا العرش الملكي على مدى قرون، ودورها الشهيرة التي صارت عملتها في الأناقة والجمال في الخارج، مثل «شانيل» و«ديور» و«غيرلان» تركت بصمتها في عالم العطور على المستوى العالمي.
تاريخ العطور
فتح متحف العطور الذي يسمى كذلك «متحف العطور فراكونارد»، نسبة إلى دار العطور «فراكونارد» التي كانت وراء فكرة فتح متحف للعطور، عام 1983 بقلب باريس، في إحدى الأحياء الراقية التي تعرف إقبالا كبيرا من السياح على مدار السنة، واختير فندق يعود للقرن الثامن عشر ومصنف ضمن التراث لاحتضانه.
يتألف المتحف من طابقين وسلسلة من الغرف الواسعة والمتداخلة فيما بينها، كل واحدة منها تحكي للزائر مرحلة من تاريخ العطور في فرنسا التي تعد مركزا عالميا لصناعتها منذ القرن السابع عشر، لتنتهي رحلة الزائر للمتحف في قاعة كبيرة لبيع العطور بأسعار تنافسية لأكبر المتاجر والمحلات المتخصصة، بعضها يعود تاريخ تصنيعه إلى عشرينيات القرن الماضي في مدينة «غراس» مدينة العطور، بالقرب من مدينة موناكو الساحلية جنوب فرنسا.
5000 سنة ولا يزال
يرصد المتحف قصة نحو 5000 سنة من تاريخ العطور وصناعتها، بداية من العصور القديمة وحتى بدايات القرن العشرين من خلال قطعه المعروضة، من أدوات زينة مخصصة للعطور تعود لملوك فرنسا الذين كانوا مولعين بالأناقة والزينة والعطور كنابليون وماري أنطوانيت، وكاثرين دي ميديش زوجة ملك فرنسا هنري الثاني الذين كانوا يخبئون قارورات العطر الصغيرة في صدورهم أو في الأحزمة التي كانوا يشدون بها خصورهم الضيقة، وكذا آلات قديمة لتصنيع العطور بطرق يدوية، وكتب ومطبوعات لأشهر العطارين الفرنسيين الذين تفننوا في مزج الورود والأزهار التي كانت تزين الحدائق الملكية، وقطع من الصابون المعطر الذي يعود لقرون مضت، ونماذج من أولى العطور التي صنعتها دار «فراكونارد» العريقة، وأولى نماذج عطور البيوت التي صارت موضة العصر، كما يقدم المتحف شرحاً عن كيفية استعمال العطور وتماشيها مع شخصية كل فرد، وكيفية الاحتفاظ بها لسنوات بفضل إبعادها عن أعدائها الثلاثة: الرطوبة والحرارة والضوء.
قصة حضارة
على أحد جدران متحف العطور نقرأ لافتة كتب عليها «العطور قصة حضارة» وكان الأمر كذلك، فتاريخ العطور في فرنسا تطور بتطور المجتمع ونظام الحكم فيها، حيث ظهرت العطور الأولى في معابد العصور القديمة، حيث كانت ترافق الطقوس والمعتقدات والاحتفالات الروحانية، استعملت بعدها في العصور الوسطى للوقاية من الأوبئة والأمراض وإخفاء الروائح الكريهة من الجسم وصارت مؤشرا على الحالة الاجتماعية المرموقة وكانت حكرا على أفراد العائلة الحاكمة والأغنياء. في القرن السابع عشر، سمحت العائلة الملكية لمصنعي العطور أو العطارين رسميا بممارسة حرفتهم بصفة قانونية، لتتطور بعدها هذه المهنة وتعرف ازدهارا كبيرا خاصة في مدينتي مونبلييه.

