من قال إن شغف الإنسان في التقاط صور ذاتية لنفسه، أو «سلفي» وفقا للتعريف المعاصر لهذه العادة، حديث العهد بالإنسان؟ فالرسوم والصور الشخصية التي التقطها عدد لا بأس به من الفنانين لأنفسهم عبر العصور تظهر في الواقع ما يؤكد عكس ذلك، والمعرض الذي انطلق أخيرا في بريطانيا تحت عنوان «تأملات في النفس:

من دروير إلى ستروث» يهدف إلى استكشاف تاريخ هذا النوع البصري وتطوره، من خلال التركيز على الجانب المتغير في أسلوب التصوير بدءا من القرن الـ15 حتى القرنين الـ20 والـ21 حيث شهد هذا العمل ذروته.

لحظة

ورأت صحيفة «تلغراف» البريطانية في تقرير نشرته أخيرا أهمية خاصة للمعرض في التقاطه تلك اللحظات الوجودية الحميمية، أي التقاط الصور الذاتية من قبل الرسامين والفنانين، في إطار المناخ الثقافي والفكري السائد في ذلك العصر، وباعتباره رمزا ثقافيا، فإن هذا الفن البصري ينقل في طياته، تلك الحالة المتوترة بين التفحص الذاتي، والمحتوى الفني والاجتماعي والتكنولوجي والسياسي الذي ينتمي إليه.

المعرض الذي سيستمر حتى سبتمبر 2015 في «ماي فير» لشركة كريستي في لندن، يضم رسوما وصوراً لحوالي 50 فنانا بما يصل إلى 70 عملاً، ويسلط الضوء على الأساليب المختلفة المستخدمة في تصوير الذات، من خلال مجموعة من الوسائل، بما في ذلك الرسم والنسخ والنحت والكولاج والتركيب..

ويوجد في أرجائه صور ذاتية لفنانين كبار مثل بول سيزان ورامبراندت، وفرانسيس بايكون، وإدوراد مونخ، ولوسيان فرويد، وأندي ووهول، وتوماس ستروث وريتشارد هاملتون وفالي أكسبورت، وغيرهم، مرورا بصور ذاتية لصانعي أفلام ومصورين.

مصادفات

وهذه الصور المعروضة لا تنظر فقط في التتابع الزمني لتقاليد هذا الفن عبر العصور، بل أيضا تنطوي على مصادفات غير متوقعة، فالصور الذاتية الثلاث للرسام أندي وورهول من ستينات القرن الماضي تصوره كمنعزل عن محيطه، في تناقض مع الرسوم الذاتية الثلاثة لفرانسيس بايكون التي تصور وجوها مشوهة ومعذبة، وفي المعرض أيضا صور ذاتية تنقل بصدق تطور وعي الإنسان بتقدم السن وتأثيره على صورة الجسد، وهذا مما يمكن رؤيته بوضوح عبر سلسلة صور للرسام لوسيان فرويد بريشته، بدءا من فترة الشباب عام 1949 وصولا إلى عام 1969 عندما صور نفسه بعين سوداء..

وصوره عامي 1985 و1996 بعنوان «التأمل»، والأخيرة كان قد رسمها عندما أصبح في أواخر السبعينات من عمره. ومهارة الرسام ووعيه بذاته كانت أشبه بقراءة مذكراته الشخصية، وهو الذي يعرف بفلسفته «أرسم لي ما أراه، ولا ترسم ما تريدين أن أراه»، حسبما تقول صحيفة « تلغراف».

كما يمكن رؤية التحول الثقافي بوضوح في المعرض من خلال صورة الفنانة فالي إسكبورت وهي تدخن وتحمل في يدها علبة سجائر في فترة الستينات من القرن الماضي.

تكنولوجيا

مع التطور الذي شهدته التكنولوجيا هذه الأيام، وما تبع ذلك من توفر للأجهزة الإلكترونية من هواتف ذكية، يبدو أن الجميع قد أصيب بحمى الصور الذاتية، حيث أصبحت «السلفي» على الموضة، وامتلأت الحسابات الشخصية على «تويتر» و«فايسبوك» و«انستغرام» بها.