من أبرز الرسائل التي تفاعلتُ معها رسالة وصلتني من طفل موهوب في إحدى الدول العربية، أعتبره «موهوباً» من عدة صور أرسلها لي التقطها من خلال عدسة هاتفه المحمول، يشكو من حالته النفسية السيئة المتفاقمة بسبب رفض أهله شراء كاميرا متطورة يستطيع من خلالها أن يتعلّم التصوير بشكل أكبر على حد تعبيره!

ما أدهشني هو مستوى المعرفة والاطلاع الواسع لديه، وطموحاته الكبيرة الواضحة من مستوى الصور الشهيرة التي يحتفظ بها على هاتفه ويطمح لالتقاط صور أجمل منها بكثير ويسعى ليكون من أفضل المصورين في العالم.

هنا رأيت أنه من المجدي أن أغيب عن الواقع لبرهة وأحلّق بخيالي لأحاول رؤية الحياة من منظوره وأحلّل الأمور بعقليته وطريقة تفكيره، ما وصلتُ إليه خلال هذه المحاولة المتواضعة أن من ينظر نظرة مجرّدة إلى التصوير الاحترافي وأصحابه يجدهم متسلّحين بأفخر أنواع الكاميرات والعدسات والإكسسوارات الأخرى، ما يخلق انطباعاً مباشراً لأي مشاهد من الخارج أن الكاميرا هي مركز الإبداع الفني وأساس إنتاج الصور المدهشة في عالم التصوير.

من خلال هذا الفهم قمت بشرح وجهة نظري له عن قدرات كاميرا الهاتف المحمول وعن المسابقات المتخصصة في هذا النوع من الصور، وأن الرؤية الفنية والخيال الخصب والهوية الشخصية هي أسس خلق تجربة تصوير حقيقية من خلال استثمار الأدوات المتاحة واستخدامها بالطريقة الأفضل، وأن استخدام كاميرات متقدمة في المراحل الأولى ليس أمراً مثالياً كونه يسبّب الارتباك من تعقيد الخصائص والمميزات والخيارات الملحقة بها، كما أن وجود كاميرا متطورة لا يوصلنا بالضرورة لصورٍ أفضل!

لم يصلني منه أية مستجدات لفترة، ثم ظهر مجدداً بباقاتٍ من الصور الجديدة التي يبدو إبداعه فيها وقد تحسّن بشكلٍ ملحوظ، وما أسعدني أكثر هو توصيفه لفكرة الصور وفلسفتها وقصة كل صورة كيف دارت بذهنه وتطوّرت.

من التحديات الذهنية التي تواجه الجيل الصاعد لدخول معترك الصورة والتصوير، هي المقارنات الجائرة مع الصور الشهيرة وأعمال المصورين المحترفين وأدواتهم، والافتراضات غير الواقعية التي تجعلهم يرهبون البدايات لأنهم يحمّلونها ما لا تحتمل!

من الصعب إقناعهم أن إنتاج صورة رائعة يتطلّب مراحل متدرّجة من التدريب والممارسة والصبر، لكن من ناحية أخرى ما يحملونه في جعبتهم من موهبة وإصرار وشغف للتفوّق يجعلنا نستبشر خيراً ونعمل قدر المستطاع على تمهيد الطريق لهم ومنحهم الثقة اللازمة كي يحقّقوا ما يصبون إليه.

فلاش

المقارنات تتعب الذهن والروح، انصح من حولك بالتدرّج