في المعرض الفني المعروف باسم «فوتو لندن»، تشعر بحالة انعزال تامة عن المحيط الخارجي، كي تنحصر حواسك جميعها في اتجاه واحد، هنا، حيث فعاليات المعرض الفنية والثقافية تشكّل محيطاً خاصاً يشغلك عمّا سواه، لأن هذا المحيط ببساطة، يأخذك في رحلة بصرية ممتعة إلى مئات المدن والقرى والضواحي حول العالم، لتشعر وكأنك تتجوّل فيها وتتحدّث مع سكانها، وتتعرّف إلى عاداتهم وتقاليدهم وطريقة تفكيرهم وأسلوب حياتهم.
الحياة بألف شكلٍ ولون، من العناوين التي رافقتني في جولتي الماتعة في أفياء هذا الحدث الفني العملاق، الذي مزج بين الكلاسيكية والحداثة وبين أنواع الصور ومدارس التصوير، والذي جمع المصورين الهواة المبتدئين بأكبر وأشهر الأسماء في صناعة الصورة.
من الأمور اللافتة في فوتو لندن، هو استراتيجية الغاليريهات المشاركة، والتي يمثّلها مقيّمون ذوو خبرة وموهبة خاصة في اصطياد العبقريات الفنية الناشئة، من أبرز مهام الغاليريهات هنا، ملاحظة الأعمال التي تستهوي الجمهور للوصول إلى الفكر الفني والثقافي السائد، كما أن المقيّمين لديهم مهام أكثر دقة ، حيث يقومون بمراقبة أعمال الهواة، ودراسة شخصياتهم الفنية، وأبعاد الإبداع الفني والفكري لديهم، لتدرس كل حالةٍ على حدة، ثم تختار مجموعة منهم للتبنّي الفني المتكامل، بحيث تعرض أعمال الفنانين المختارين في معارضها حول العالم، وتروّج لها ، وتمنح أصحابها نسبة مجزية من العوائد المادية للمبيعات.
في فوتو لندن، يجري حوار ثقافي حضاري فني بين جميع أطياف الجنس البشري، بكل رقيّ وأناقة وبعد نظر، الجميع هنا يؤمنون أن كل فكرة حضارية متكاملة عاشت على الكوكب، قدّمت إضافة هامة قد لا ندرك قيمتها الفنية بشكل كامل في الوقت الحالي، لكن يجب أن تربّي الأجيال القادمة كي تستطيع إدراك ذلك.
في جنبات هذا المعرض المهيب، زخم فني عالي المستوى، يحيط بك من كل الجوانب، فهذه صور تروي قصص كفاح بعض الشعوب ضد الفقر والمرض، وقصصاً أخرى عن عذوبة السلام وطرق التعبير عن الابتهاج والفرح، وصوراً تعرض العلاقة بين الأجيال من منظور الحضارات القديمة والمعاصرة، وصوراً نادرة لمشاهير كانوا في وقتٍ من الأوقات حديث الناس في مشارق الأرض ومغاربها، هنا، الكثير من الصور التي تعرض لك طريقة تفكير بعض الشعوب في مواجهة الحاضر والمستقبل، وفي التعايش مع مستجدات الحياة ومستحدثات الحضارة. الصور هنا، أشبه بمدرسة فريدة من نوعها، تخاطب حواسك بكل شفافية، وتثريها بالفائدة والمتعة بطريقة لا مثيل لها.
فلاش
ومن الفنون ما فاق العلوم في مقياس المعرفة.
سحر الزارعي
الأمين العام المساعد للجائزة
@SaharAlzarei
