تشاء الأقدار أن يحتل الأديب الألماني غونتر غراس مساحة الاهتمام ودائرة الضوء العالمي في شهر أبريل عام 2012، ثم يرحل في الشهر ذاته هذا العام. (توفي امس عن 87 عاما في احد مستشفيات لوبيك المدينة التي كان يعيش فيها في شمال ألمانيا).

قبل ثلاث سنوات، في مثل هذا الشهر، أطلق غراس صرخة مدوّية في وجه حكومته والعالم، أن إسرائيل هي أساس البلاء ومصدر الخطر، حيث تملك ترسانة نووية خارج الرقابة الدولية.

تلك صرخة أديب أعزل، إلا من سلاح الشعر. كانت قصيدته «ما يجب أن يقال»، قنبلة ضمير انفجرت في وجه المتغطرسين ومتعددي المكاييل في هذا العالم الأرعن، وإن أرادها همسة لإيقاظ الضمائر النائمة على وسادة استسهال الصمت على بغي المتجبّر وعدوانيته التي لا تقف عند حد.

كان غراس حين أطلق العنان لحنجرته الغاضبة، يدرك تماماً أنه سيتعرض لهجمة عنصرية مجنونة من إسرائيل والمفتونين بها في ألمانيا، بسبب قصيدة. بل إن بعض كتّاب ألمانيا سبقوا إسرائيل إلى قصفه باتهام «معاداة السامية»، ولم يتوانَ هؤلاء المتشدّقون بالديمقراطية عن إطلاق الشتائم غير المؤدّبة بحق أديب.

لكنّ مؤلف رواية «طبل الصفيح»، والذي يعبّر عن صوت جيل ألماني خرج من حقبة الحرب العالمية الثانية، ويشعر أنه يحمل على كاهله ذنب ما ارتكبه النازي من فظائع، أدرك أن قصيدة تنطق بالحق وتعبّر عن الضمير، وتقول «ما يجب أن يقال»، هي بمنزلة وسام تعلو أهميته قيمة جائزة نوبل التي حازها أيضاً مجرمو حرب إسرائيليون، أو حازها ببغاوات رددوا ما يريده الأقوياء، وأولئك الذين راق لهم، لغاية في نفس المستكبرين، أن يحوّلوا خريف الدم والخراب إلى قصيدة ربيع لم تنبت في تربتها أية زهرة.

مثير للجدل

غونتر غراس كان كاتباً يسارياً، وعرفت عنه مواقفه المثيرة للجدل، وأصبح الكاتب الألماني الأكثر شهرة في الخارج في النصف الثاني من القرن العشرين. ومنذ أن نشر كتابه «طبل الصفيح» في عام 1959، ذاع صيته في مختلف أصقاع الدنيا. واقتُبس عن ذلك الكتاب فيلم للمخرج فولكر شلوندورف، حصل على السعفة الذهبية في مهرجان كان، وجائزة أوسكار أفضل فيلم باللغة الأجنبية. ووصفت صحيفة دير شبيغل هذا الكتاب، بأنه مؤسس للأدب الألماني لحقبة ما بعد الحرب.

تميّزت كتابات الأديب الراحل بالخيال الواسع والسخرية، وظهر أعمال مثل «القط والفأر»، و«سنوات الكلب»، و«مذكرات حلزون»، و«القصة كاملة». وركزت معظم أعماله الأدبية على حقبة النازية وفظائع الحروب والشعور بالندم الذي لازم الألمان بسبب الحرب والدمار الذي نتج عن الحروب.

وأثار الكاتب الراحل، الذي حصل على جائزة نوبل للآداب في 1999، جدلاً بعد وقوفه ضد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش في حربه على العراق. وفي عام 2012، نشر قصيدته في الصحافة الألمانية، والتي يهاجم فيها إسرائيل ويصفها بأنها تهدّد السلم العالمي، ومنذ ذلك الحين، اعتبرته إسرائيل شخصاً غير مرغوب فيه على «أراضيها».

قبل تلك القصيدة بشهرين، تحدّث لصحيفة «نويه فيستفيليشه» الألمانية، معرباً عن مخاوفه إزاء انجراف العالم إلى نوع جديد من الحرب، وقال حينها «نسمع في الفترة الأخيرة تحذيرات متكررة من حرب عالمية ثالثة، أتساءل أحياناً ما إذا لم تكن تلك الحرب قد بدأت بالفعل بطريقة مختلفة تماماً عما عهدناه في الحربين العالميتين الأولى والثانية».

جميل هذا الأديب الذي يرى ما لا يريد كثيرون في الغرب أن يروه. توقّف قلب صاحب مقولة «لن أصمت» عن الخفقان، لكن أعماله الأدبية ستواصل الصراخ دفاعاً عن قيم يدافع عنها كل إنسان.

من قصيدته

لن أصمت بعد الآن

لأني سئمت من نفاق الغرب مثلما لدي الأمل

بأن يتحرر الكثيرون من صمتهم

ويطالبوا المتسبب في الخطر المحدق

لنبذ العنف بنفس الوقت أصر

على مراقبة دائمة وبدون عراقيل

للترسانة النووية الإسرائيلية