يحتفل المصريون، اليوم الاثنين، بعيد شم النسيم، وهو احتفال سنوي تخرج فيه العائلات المصرية إلى المتنزهات والحدائق العامة وأماكن الترفيه ويتناولون أكلات مخصصة لهذا اليوم تحديدا، وتندرج ضمن طقوسه مثل الفسيخ والبصل والبيض الملون والخس.

https://media.albayan.ae/inline-images/2353061.jpg

لكن لماذا اختار المصريون هذا اليوم تحديدا للاحتفال بشم النسيم؟ ولماذا تلك الطقوس المصاحبة له كتناول الفسيخ والبيض الملون؟

الدكتور عبدالرحيم ريحان، الخبير الأثري ومدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمي بوجه بحري وسيناء بوزارة الآثار المصرية، روى لموقع "العربية نت" تفاصيل وطقوس هذا الاحتفال، ويقول إن شم النسيم عيد مصري قديم احتفل به قدماء المصريين منذ عام 2700 قبل الميلاد، وكان يطلق عليه "شمو" باللغة المصرية القديمة، ثم تحرفت إلى شم، وأضيف إليه النسيم، وكانت السنة عندهم تبدأ بعد اكتمال القمر الذي يقع عند الانقلاب الربيعي.

https://media.albayan.ae/inline-images/2353060.jpg

ويوضح د. ريحان أن عيد الفصح اليهودي والمسيحي جاء ارتباطهما بشم النسيم بالصدفة، حيث أخذ بنو إسرائيل هذا الاحتفال عن قدماء المصريين حين خرجوا من مصر مع نبي الله موسى عليه السلام، واختاروا هذا اليوم بالذات للخروج حتى لا يلفت انتباه المصريين مع انشغالهم بالاحتفال بهذا اليوم، واحتفل اليهود بهذا اليوم أيضا، وأطلقوا عليه عيد الفصح، وهي كلمة عبرية معناها الخروج أو العبور، واشتقت منها كلمة "بصخة"، إشارة إلى نجاتهم، وهكذا اتفق عيد الفصح العبري مع عيد شمو المصري، ثم انتقل الفصح بعد ذلك إلى المسيحية لموافقته مع موعد عيد القيامة، ولما انتشرت المسيحية في مصر أصبح عيد القيامة يلازم عيد المصريين القدماء، حيث يأتي شم النسيم يوم الاثنين الذي يلي عيد القيامة، وهو العيد الأكبر عند المسيحيين، ويكون الاحتفال بهذا العيد يوم الأحد.

https://media.albayan.ae/inline-images/2353059.jpg

ويتابع د. ريحان أن المصريين حددوا عيد الربيع بميعاد الانقلاب الربيعي، وهو اليوم الذي يتساوى فيه الليل والنهار وقت حلول الشمس في برج الحمل يوم 25 من شهر برمهات، وكانوا يحتفلون بالإعلان عن ذلك اليوم بليلة الرؤية حيث يجتمعون أمام الواجهة الشمالية للهرم الأكبر في الساعة السادسة من ذلك اليوم حين يظهر قرص الشمس قبل الغروب، وخلال دقائق محدودة يبدو كأنه يجلس فوق قمة الهرم، ويرى بعض المؤرخين أن الاحتفال به كان معروفاً ضمن أعياد هيليوبوليس ومدينة أون عاصمة مصر في العصور القديمة، وكانوا يحتفلون به في عصر ما قبل الأسرات.

ويشير د. ريحان إلى أن قدماء المصريين كانوا يحتفلون بعيد شم النسيم في الليلة الأولى أو ليلة الرؤية بالاحتفالات، ثم يتحول مع شروق الشمس إلى عيد شعبي تشترك فيه كل طوائف الشعب، ويشارك الفرعون وكبار رجال الدولة الشعب في أفراحه باعتبار شم النسيم هو العيد الذي تبعث فيه الحياة ويتجدد النبات وتنشط الكائنات وتحمل نسمة الربيع رسالة ميلاد الطبيعة بما تحمله من أريج البراعم النامية وعبير الزهور المتفتحة، وذلك طبقاً لما جاء في كتاب لغز الحضارة المصرية للدكتور سيد كريم.

https://media.albayan.ae/inline-images/2353058.jpg

ويضيف أن المصريين كانوا يخرجون إلى الحدائق والحقول والمتنزهات لاستقبال الشمس عند شروقها يحملون معهم أدوات اللعب للأطفال والآلات الموسيقية، وتتزين الفتيات بعقود الياسمين، وهي زهور الربيع، ويحمل الأطفال سعف النخيل المزين بالألوان والزهور، ويمرح الجميع على أنغام الناي والمزمار والقيثار ودقات الدفوف تصاحبها الأناشيد والأغاني الخاصة بعيد الربيع، كما تجري المباريات الرياضية والحفلات التمثيلية، وكانت صفحة النيل تمتلئ بالقوارب التي تزينها الزهور وغصون الأشجار المثمرة، وقد نقشت على أشرعتها كلمات الترحيب والتهنئة بعيد الربيع، وتقام الحفلات والندوات في الميادين والأماكن العامة.

https://media.albayan.ae/inline-images/2353056.jpg

لكن لماذا ارتبط شم النسيم بطقوس تناول البيض والفسيخ ؟ يجيب الدكتور عبدالرحيم قائلا لأن البيض يرمز إلى خلق الحياة من الجماد، ولذلك فإن تناول البيض في هذه المناسبة يبدو كأنه إحدى الشعائر المقدسة عند قدماء المصريين، وقد كانوا ينقشون على البيض دعواتهم وأمنياتهم للعام الجديد، ويضعون البيض في سلال من سعف النخيل يعلقونها في شرفات المنازل أو في أغصان الأشجار لتحظى ببركات الإله عند شروقه فيحقق أمنياتهم.

أما الفسيخ أو "السمك المملح" فقد ظهر بين الأطعمة التقليدية في الاحتفال بالعيد في عهد الأسرة الخامسة، مع بدء الاهتمام بتقديس النيل، وقد أظهر المصريون القدماء براعة شديدة في حفظ الأسماك وتجفيفها وصناعة الفسيخ.

كذلك كان البصل من بين الأطعمة التي حرص المصريون القدماء على تناولها في تلك المناسبة، وقد ارتبط عندهم بإرادة الحياة والتغلب على المرض، فكانوا يعلقون البصل في المنازل وعلى الشرفات، كما كانوا يعلقونه حول رقابهم، ويضعونه تحت الوسائد، وما زالت تلك العادة منتشرة بين كثير من المصريين حتى اليوم.

وكان الخس من النباتات المفضلة في ذلك اليوم، وقد عُرِف منذ عصر الأسرة الرابعة، وكان يسمى بالهيروغليفية "عب"، وقد لفت ذلك أنظار بعض علماء الغرب فقاموا بإجراء التجارب والدراسات على نبات الخس، وكشفت تلك البحوث عن حقيقة عجيبة، فقد ثبت لهم أن ثمة علاقة وثيقة بين الخس والخصوبة، ومن الأطعمة التي حرص قدماء المصريين على تناولها أيضا في الاحتفال بعيد "شم النسيم" نبات الحمص الأخضر، وهو ما يعرف عند المصريين باسم "الملانة"، وقد جعلوا من نضوج ثمرة الحمص وامتلائها إشارة إلى قدوم الربيع.

وكالعادة أبى المصريون أن تؤثر أي عمليات إرهابية على طقوسهم بالاحتفال بأعيادهم الموروثة من أيام القدماء المصريين، والتي يأتي على رأسها عيد شم النسيم الذي يحتفل به المصريون كل اثنين من منتصف أبريل من كل عام يمر عليهم، وهو ما وافق أمس 13 من أبريل الجاري.

ومنذ أن دقت السادسة صباحاً، حرص الأطفال على إيقاظ آبائهم وأمهاتهم لإعداد العدة للخروج إلى المنتزهات والحدائق التي تمتلئ عن آخرها خلال تلك الأيام بشكل مستمر ودوري خلال كل عام، وهو ما حدث، حيث فوجئت الحدائق، وعلى رأسها حديقة الحيوان بالجيزة، التي فتحت أبوابها في تمام السابعة صباحاً بالآلاف من الزوار الذين جاؤوا بحثاً عن الاستمتاع بهوائها العليل وروائح أزهارها العطرة.

ورغم أن كل المؤشرات كانت تسير في الاتجاه المعاكس بعد الحوادث التفجيرية الأخيرة التي قامت بها مجموعة من الإرهابيين بمدينة العريش، إلى جانب حالة الطقس السيئ وموجة البرد التي اجتاحت البلاد خلال اليومين الماضيين، إلا أن فجر شم النسيم جاء صباح اليوم وكأنه يبلغ المصريين بضرورة البدء بكتابة فصول جديدة من تاريخ تفاؤلهم ومحاربتهم الواقع الأليم والصعب الذي يسيطر على حالتهم الاقتصادية في العشر سنوات الأخيرة.

وهو ما ساعد عليه التحسن الكبير الذي طرأ على حالة الطقس والجو طيلة أمس بالكامل، ما شجع الكثيرين منهم على قضاء اليوم بأكمله خارج بيوتهم، خاصة أن العديد منهم حرصوا في نهاية اليوم على الذهاب للسينما التي يتواجد بها حالياً أكثر من أربعة أفلام سينمائية مصرية جديدة تميل معظمها إلى الطابع الكوميدي الذي يتفاعل معه الجمهور المصري بشكل كبير، وهو ما شهدت عليه الإيرادات التي حققتها أفلام "زنقة ستات" و"كابتن مصر" و"فزاع" خلال شم النسيم، والتي وصلت قيمتها مجمعة لأكثر من 6 ملايين جنيه، وفقاً لتقرير غرفة صناعة السينما المصرية.

وبدوره، حرص محافظ القاهرة جلال سعيد، على تفقد عدد من الحدائق العامة بالقاهرة ومنها حدائق الحرية والريادي والنهر بالجزيرة، إضافة لحديقة الأندلس، إلى جانب حديقة الفسطاط التي بلغ زوارها في الساعات الأولى من صباح أمس فقط أكثر من مائة ألف مواطن.

وشدد المحافظ، خلال تفقد الأوتوبيس النهري بماسبيرو، على شرطة المسطحات المائية، بإلزام كل القوارب بأنواعها المختلفة بالالتزام بالأعداد المقررة، وعدم السماح قطعيًا بأي زيادة في الأفراد، مع التأكد من مطابقة المركب لاشتراطات الأمن والمتانة وتوافر كل عوامل الأمان بها.

وفي نفس السياق، اتجه العديد من المصريين وبالأخص فئة الشباب منهم، إلى عددٍ من المدن الساحلية المصرية، في محاولة منهم لبدء موسم الصيف والاستمتاع بأجواء المصايف والمنتجعات السياحية.