لا تتوقف عروض «فاشن فورورد» بدبي، عن تذكيرنا، وفي كل موسم، بأن الموضة قطاع صناعي حيوي، لا يجب الاستهانة به أو التعامل معه بشكل سطحي، هذه الأهمية باتت تعرفها كل عواصم الموضة العالمية، بدليل «تجربة الموضة من فوغ في دبي»، والتي تستهدف بشكل رئيس، صناعة الموضة الناشئة من أجل ضخ دماء جديد مبدعة وخلاقة، يتم اكتشافها وتسليط الضوء عليها من خلال ثلاثة محاور أساسية: ترسيخ مكانة دبي كعاصمة عالمية للموضة، واكتشاف المواهب الواعدة، وتوفير منصة مميزة لرعاية الجيل القادم من مصممي الأزياء، وإرساء معايير جديدة لتشجيع المواهب المستقبلية، ودعم المبادرات الخيرية، والتي جاءت بدعم كبير من الصحافيّة الإيطالية فرانكا سوزاني، وفريق عمل مجلة فوغ الإيطالية، وشركة إعمار العقارية.

طقوس الصناعة
ففي اليوم، غلبت موجتان على عروض خريف 2014 وشتاء 2015. الأولى تتشبث بطقوس هذه الصناعة أو الفن، ورغبة قوية في إيقاظ الأميرة النائمة بداخل كل امرأة. القاسم المشترك بين هاتين الموجتين، رغبتهما في إدخال أزياء تقدر أسعارها بمئات الآلاف من الدولارات، الحياة اليومية تخدم المرأة، وتلبي إيقاع حياتها السريع، من دون أن تنسى مناسباتها الفخمة، والثانية رغبة في التطوير والعصرنة لمخاطبة زبونات الجيل الجديد.
تقنيات درامية
ما يحلو للكثير من المتابعين تكراره، أن أزياء المصمم الفلبيني «إزرا»، الذي قدم عرض افتتاح اليوم الأول بفساتين باذخة ذات أسعار صاروخية. السبب، أنها تتوجه إلى عدد قليل من النساء، لكنها رغم ذلك، حافظت على قوتها ومكانتها، متحدية الأزمات والتذبذبات الاقتصادية، علماً بأن عاشقة تصاميمه في دبي تحديداً، لا تشتري فستاناً واحداً، بل خزانة متكاملة، إضافة إلى أن مناسبات الأعراس التي تتطلب عدة فساتين للعروس وعائلتها وضيفاتها. كل هذا غير من ديناميكية أزيائه للتصاميم الهوت كوتور، وجعله يتأرجح بين اليومي والفخم، العملي والفني.

حيث استطاع تحقيق المعادلة بين الاثنين، الأزياء الدرامية والفخمة، فقد استوحاها لهذا الموسم من أجواء مدينة مانيلا عام 1930، والتي حملت اسم «كلارا»، التي تدور حول شخصية الأرستقراطية ماريا كلارا، والتي يقال إنها معشوقة خوسية رازل، وهو من أبطال المقاومة ضد الاستعمار الإسباني للفلبين في تلك الفترة.
تأثيرات إسبانية
أظهر المصمم المخضرم إزرا براعة فائقة في نقل أجواء تأثيرات الاحتلال الإسباني على طبيعة الأزياء، ففي تلك الحقبة، انتفضت مانيلا، مقاومة العدوان، من خلال إبراز تقاليدها في الفنون والموسيقى والرسم والتشكيل، الذي لم يمنع انفتاحها على الثقافات الأخرى، إلى جانب استخدامه وللمرة الأولى أقمشة عضوية مستخلصة من ألياف فاكهة الأناناس، تم مزجها مع الحرير الطبيعي، مع تلك المشاهد التعبيرية، التي عاد فيها المصمم إلى جذوره، وشدت الأنفاس بجرأتها وألوانها وأحجامها.

لا يختلف اثنان أنه صب فيها كل ما يمتلكه من خيال وإمكانات، وكأنه يريد أن يعلم الصغار درساً في الثقة بالنفس ودقة التفصيل، ويذكرهم أنه قد يغيب لفترة، لكنه وجه لا تستغني عنه لندن، التي يشارك في أسبوعها منذ 30 عاماً. الموسيقى التي اختارها كخلفية لعرضه، كانت من وحي الفولكلور الإسباني، فالأحجام عصرية والقصات مبتكرة والأقمشة مترفة.
أما الألوان، فحدث بلا حرج، فقد كانت تدخل السعادة على النفس، لأنها تذكر بالزهور المتفتحة، لكن دائماً بأحجام هندسية كبيرة، ركز فيها المصمم على مكمن قوته: التفصيل الحاد. تتوالى القطع، وتعود بك حيناً إلى حقب تاريخية بعيدة، وحيناً إلى حقب ماضية يتذكرها كثير منا، لم تجعل إزرا يتواكل على إعجاب أو ولاء امرأة واحدة، بل استهدف كل نساء العالم، وكل الأجيال. فامرأة واحدة، على ما يبدو، لا تكفيه.
قطع مفصلة
ولم يبخل علينا الإخوة جولكار الثلاثة الذين اشتهروا بتصميم الأزياء الرجالية منذ 2007، من خلال علامتهم «إمبرير 1688»، بتصاميم تميز المرأة وتشعرها بالثقة بالنفس، وتركز على التفصيل الإنجليزي، من دون أن تنسي إضافة لمسات أنثوية راقية.
واضعين بعين الاعتبار حياتها «هل تعمل؟ هل هي جادة؟ وعندما ستدخل أي مكان، هل ستبدو رائعة أم عادية؟». والجواب دائماً يكون أنها يجب أن تشعر بالثقة عندما تدخل أي مكان، تشكيلتهم الأخيرة تجسد هذه الثقة، من خلال فساتين من الكشمير، وتنورات مستقيمة تغطي الركبة، وأخرى من الحرير تنسدل على الجسم بسخاء، طبعتها نقشات الكاروهات حيناً، ونقشات مبطنة على جسد القماش حيناً آخر، تتسم بكثير من الرومانسية والعصرية في الوقت ذاته، حتى لا تبدو مغالية في الحنين إلى الماضي.
ويبدو أن الراحة كانت أيضاً مهمة بالنسبة لهم، لأنه ركز على هذا العنصر في كنزات واسعة وتنورات ببلسيهات منسدلة. تفسر أن الأخوة أرادو تشكيلة يمكن أن تستعملها المرأة بسهولة في كل مناسبات النهار.
فالكشمير يمنحها الدفء، والحرير أنوثة راقية. باستثناء قطع قليلة مفصلة بأسلوب كلاسيكي، كأنها تدور حول امرأة بوهيمية تعشق السفر، تميزت فيها القصات بتدقيق منطقة الخصر، واستخدام السحاب أيضاً بصفة تزينه وأكسسوار.

الموسم الخامس ينظم فعالية «يوم في دي ثري»
أكد بونج جويريرو، المؤسس والرئيس التنفيذي لمهرجان فاشن فورورد، أن برنامج الموسم الخامس يتطلع أن يكون الأكثر تنوعاً على الإطلاق.
فإلى جانب عروض الأزياء، هناك الكثير من الفعاليات المرافقة التي تتيح لمصممي الأزياء التعريف بتصاميم الموسم بطرق متعددة، مثلما تتيح للحضور رؤية ومتابعة أحدث أفكار الأزياء بطرق مبتكرة. وللمرة الأولى، يشمل الموسم الخامس من «فاشن فورورد»، فعالية «يوم في دي ثري»، حيث سينتقل الحدث إلى حي دبي للتصميم، لاستضافة فعالية مخصصة لصناعة الأزياء هناك، حيث يتطور فاشن فورورد موسماً تلو آخر، ونحن حريصون على إثراء هذه التجربة والارتقاء بها، لإتاحة أفضل منصة للكوكبة المبدعة من مصممي الأزياء في الشرق الأوسط، لعرض أحدث تصاميمهم: محلياً وإقليمياً وعالمياً.
ويشارك في الموسم الخامس من «فاشن فورورد» 25 مصمم أزياء، من لبنان والمغرب ومصر والكويت والإمارات، إلى جانب الفلبين والهند. وكما جرت العادة في المواسم السابقة، فإن كافة المصممين المشاركين يعملون بمنطقة الشرق الأوسط، أو ينحدرون من بلدانها، وعلاوة على عروض الأزياء والفقرات المرافقة، هناك «حوارات حي دبي للتصميم»، التي تناقش وتتطرق لمحاور متنوعة، منها على سبيل الماثل: تطوُّر الأزياء عبر عشر قطع أزياء غيَّرت العالم، وتأثير الشرق الأوسط في تصاميم الأزياء الغربية، وتأثير التسويق البصري في صناعة الأزياء، والعلاقة بين صناعة الأزياء وصناعة السينما.

بداية المشوار من دبي
رغم عدم فوز الأخوة جولكار الثلاثة، من خلال علامتهم التجارية «إمبرير 1688»، بجائزة «وولمارك» للموضة بلندن هذا العام، وقيمتها نحو 80.826 ألف دولار أميركي، وتنافس عليها أكثر من 60 مصمماً من كل أنحاء العالم، إلا أن وصولهم إلى المرحلة الأخيرة، كان نقطة تحول بالنسبة للإخوة الـ 3، ونجاحاً لدبي، التي بدأت ترسخ مكانتها كمؤثر في ساحة الموضة، رافضة أن تبقى مجرد مستهلكة لها. وهذا ما يعرفه الإخوة، وترجع أهمية تصاميم الأخوة إلى أنها تحمل بصمات شرقية وعربية.

المظهر الطبيعي صيحة الموسم
لا تقتصر فعاليات «فاشن فورورد» على عروض الأزياء فحسب، بل هي البوصلة التي نقرأ بواسطتها توجهات الماكياج والشعر أيضاً. هذا الموسم، وبحكم أن الحقبة الماضية التي رحل إليها أغلب المصممون وغرفوا منها، بكل ما تعنيه من قصات بسيطة وألوان طبيعية هادئة، أجمع فنانو الماكياج، بدورهم، أن الألوان الطبيعية هي التي يجب أن تسود في الخريف والشتاء المقبلين، حتى تكمل الإطلالة.
