بملامح يعلوها الصرامة والحزم ونظارته السوداء التي تخفي وراءها رقتها وشعره الأبيض الطويل وكفيه اللذين يغطيهما بقفازين جلديين طوال الوقت، يُدير مصمم الأزياء الألماني الأصل كارل لاغرفيلد امبراطورية دار شانيل العريقة التي أسستها كوكو شانيل عام 1909..
واذا كانت الموضة الحديثة ارتبطت باسم بول يواريه في أوائل القرن العشرين، فان التفنن في ابتكارها على اسس تصويرية وثقافية موسيقية سيكون مرتبطاً باسم مصمم «خيالي» هو كارل لاغرفيلد، الذي عرض لها مؤخرا اكثر من 150 عملا يؤرخ لبداياته واعظم تصاميمه التي غيرت مجرى صناعة الأزياء في معرض (كارل لاغرفيلد، فن الأزياء) بمدينة بون، غرب ألمانيا الذي يحكي فصلا في تاريخ الموضة المبتكرة التي قدمها على مدار 57 عاما.
أصول بورجوازية

يلقب كارل لاغرفيلد بانه المبتكر الأغلى أجراً في العالم، ولا علاقة لهذا بخلفياته الالمانية العريقة، ذات الأصول البورجوازية الصناعية، الا انه ينتمي اليها بهوسه في العمل، وغير ذلك فهو فرنسي بثقافته ولياقته وايطالي بكرمه وفنه في العيش اليومي، ومنذ ان دخل عالم الموضة في 1953 لم يرتكب خطأ واحداً في سيره الهادئ نحو القمة..
قال مرة «انا متعدد المهن واقوم بتحقيق ما اريد وحين أريد وكما أريد». وربما لأنه ربح الكثير من المال استطاع بناء امبراطورية فنية حوله. باركت والدته رحيله عن هامبورغ الى باريس وهو على عتبة السابعة عشرة من عمره، كان موهوباً بالرسم، وبرسم الموضة بصورة خاصة..
فاتجه نحو ذلك ونجح بعد ان وضع نصب عينيه هذه العبارة «ليست هناك حقيقة نهائية، ما أحبه في الموضة هو التغيير». هذا ما ساعده على ان يكون مصمماً لدور عدة ينقل معها الانطباعات الثقافية المتغيرة والمستوحاة من نبض الشارع المعاصر.
احتراف التصميم
ساعد انفتاح لاغرفيلد على التيارات الثقافية، على التقلب في تصاميم الازياء عبر نظرة مستقبلية. تماماً كما كان الامر في السنوات العشرين، حيث تطلع الفنانون الى الستينات ومهدوا لأجواء الفرح والتغيير فيها. وكما يحدث اليوم في التطلع الى ما بعد العام 2015 فقبله لم يستطع أي مصمم آخر اعادة عهد شانيل بعد وفاتها في 1971.
كان يجب الانتظار اثني عشر عاماً حتى يأتي لاغرفيلد ويقول ان «كوكو شانيل، لم تمت، على عكس بول بواريه الذي توقفت موضته منذ أغمض عينيه ورحل عن الدنيا»، مما شك فيه لاغرفيلد كان مبدعا بالفطرة، فعرف عنه الإصرار والتفاني والثقة المطلقة في اهدافه، التي تغيرت مسارها من احتراف الرسم الكاريكاتيري الى احتراف تصميم الأزياء عام 1950 حين حضر عرضا لدار كريستيان ديور في باريس آنذاك لم يكمل عامة السابع عشر، ولكنه كان واثقا من احلامه وطموحاته التي حملت بين طياتها ثورة فنية في عالم الموضة اتضحت ملامحها مع اطلاق مجموعته الأولى في العام 1958.
ابتكار خاص
الجدير بالذكر انه في عام 1953 بعد انتقاله للعيش في باريس ليخوض مغامرته بعيدا عن عباءة عائلته الألمانية الثرية متسلحا باستقامته الشديدة فلم يشرب الكحول او يدخن السجائر، ولم يطيل السهر خارج المنزل الا اذا كان عليه حضور عروضه او مناسبات خاصة بالموضة، حصد المركز الأول بتصميم لمعطف نسائي خلال مسابقة لمواهب تصميم الأزياء متفوقا بذلك على ايف سان لورين الذي حل بالمركز الثالث من خلال تصميمه لفستان حفلات الكوكتيل..
ويذكر لاغرفيلد انه منذ ذلك الوقت اتخذ من (ايف) صديقا وعدوا منافسا له في الوقت ذاته، لم تكن تصاميم لاغرفيلد وابداعاته المدهشة فقط ما تشد الانتباه له ولكن ابتكاره الخاص لمظهره بقامته المعتدلة ونظارته العريضة السوداء وعقصة شعره الطويل..
وثيابه كالحة السواد من البذلة حتى القميص وربطة العنق، غازل اقطاب الصحف المتخصصة واليومية لمتابعة هذا المصمم عن كثب ووصل في كثير من الأحيان الى التجسس على حياته الخاصة، ويكفي ان يأتي موعد عرض من عروضه حتى يكون الزحام مدهشاً امام باب المكان الذي يجري فيه. احياناً ينقلب الأمر الى فوضى حين يكتشف المشرفون على تنظيم دخول المدعوين الى القاعة بعض بطاقات الدعوة المزورة او التي تكون عائدة الى عرض مضى تاريخه.
رياح التغير
كان تحدي لاغرفيلد كبيراً حين دخل دار شانيل سنة 1983. فلم يكن من السهل خلافة «الآنسة الكبيرة كوكو»، لم يخف لاغرفيلد من التحدي. كان يعمل في الموضة منذ عشرين سنة واكتسب صيتاً في عالمها اكثر مما بقي اسماً مجهولاً في دهاليزها، وكان اول ما فعله هو رفضه لتقليد مضاد كثيراً لموحياته متغيرة الشكل، وقيامه بتطوير موضة الدار وكل ذلك في حرص على استخدام افضل انواع الاقمشة والاكسسوارات والاتجاهات الثقافية المتجددة.
