قال علي غورلي رئيس معرض «اسطنبول المعاصرة» في حفل عشاء أقيم لمعرض الفنون السنوي على جزيرة البوسفور، أخيراً، إن اسطنبول قد ضمنت مكانةً لها كعاصمة فن عالمية.
وتثبت المدينة النابضة بالحياة، الغنية بالمال والثقة بالنفس صحة رأيه، حيث تزدحم المدينة بصالات العرض، ومعرض بينالي اسطنبول للتصميم يسير على قدمٍ وساق، وتلوح معالم إنشاء متاحف فنية خاصة، وتسجل حفلات الروك والجاز نجاحات، وتشهد حصول الفيلم التركي «نوم الشتاء» على الجائزة الأولى في مهرجان كان السينمائي هذا العام. إلا أن الصورة التي تطفو تحت سطح الأحداث مغايرة لهذا المظهر البراق إلى حد التناقض.
ضغوط
وأفاد تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، أخيراً، أن الفنانين التشكيليين في تركيا يقولون إنهم باتوا أكثر عرضةً لضغوط الدولة وتدخلها، أو سحب تمويل الحكومة بتعليمات من حزب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، الذي ساعد باعتماده الرأسمالية غير المشروطة على وجود الطفرة الإبداعية، وساهمت حساسيته المتحفظة في تبديل النبرة القومية بعد عقود من حكم النخبة العلمانية لتركيا.
لا تعتبر الرقابة أمراً طارئاً على تركيا، التي سجنت حكوماتها السابقة النقاد، وحجبت الكتب، وقمعت ثقافات الأقليات الإثنية.
لكن اليوم، بعد أن ظهرت احتجاجات متنزه جيزي، في يونيو 2013، مدى عمق الغضب الشعبي من ممارسات الحكومة التركية القمعية، وتحدثت بعض الشخصيات الثقافية عن جو من القلق والرقابة الذاتية المتبعة، نظراً لمعايير الحكومة المتقلبة حيال المسائل المسيئة بنظرها.
وقالت الفنانة عز أوزتات، بعد أن طلب منها حذف الإشارة إلى المجزرة الأرمينية عام 1915، من كتيب كانت قد وضعته لمعرض في مدريد، ممول من الحكومة التركية: «هناك حدود غير مرئية لا تعرف بوجودها، إلا حين تتجاوزها. إنه أمر جائر، وما من قوانين».
نخب
من جهته قلل وزير الثقافة والسياحة، المقرب من أردوغان في حديث لإحدى الصحف التركية، أخيراً، من أهمية تلك المخاوف بالقول: «على العكس، هناك رقابة مفروضة داخل الأوساط الثقافية والفنية، حيث كان يمارس القمع الاجتماعي ضد كل من لا ينتمي إلى إيديولوجية معينة». وذلك في إشارةٍ إلى النخب العلمانية التي حكمت المؤسسات الثقافية الرسمية في الماضي.
تخضع المسرحيات في تركيا للرقابة الحكومية، وقد أحيل رسام الكاريكاتير فاضل ساي للمحاكمة بتهمة التشهير، بعد أن أنجز رسماً كرتونياً لأردوغان، كذلك غادر عدد من أفراد لجنة تحكيم مهرجان أنطاليا السينمائي، احتجاجاً على حجب فيلم يتناول احتجاجات متنزه جيزي، وتم استجواب معلمي المدارس الرسمية لتدريس كتب جون شتاينبك وأمين معلوف.
وقالت الروائية إليف شفق، التي خضعت للمحاكمة عام 2006 بتهمة «إهانة الهوية التركية» في روايتها «لقيطة اسطنبول»: «يدرك كل مؤلف وصحافي وشاعر تركي في أعماق نفسه أن الكلمات قد تزجه في مشكلات. لطالما كان الأمر كذلك، لكنه أصبح أسوأ اليوم، حيث من الواضح أنه لا يرحب بمنطق التفكير التحليلي».
قلق
تعيش الطبقة التركية المبدعة قلقاً حيال توجه سياسة الحكومة التركية الثقافية، علماً أن المجتمع المدني قد تطور، وقوّت احتجاجات متنزه جيزي عود الشباب التركي. وقد قالت الروائية كايا جينك: «من الأسهل التحدث عن الماضي الآن، لكن الحديث عن الحاضر لا يزال موضع إشكالية».
