يستمر موروثنا في سرد قصة حضارته الاجتماعية، التي دائماً ما تضعه في مقدمة الشعوب التي تتباهى بحضارتها وموروثها، الأمر الذي يثبت أن هذا الإرث تواجد منذ الأزل، وجملتنا اليوم سوف تفتح لنا المجال لإلقاء نظرة من زاوية مختلفة على الموروث اللامادي والذي لا يدرس إلا في أكاديمية تقاليدنا المحلية.. «ماشي عليك» كلمتان لو قمنا بتقليبهما لما استطعنا الخروج بمعنى واضح، سوى أن «ماشي» أي: يسير، وإن جعلناها عامية عربية يكون معناها يجوز. أما «عليك» فتعني فوقك، والحقيقة أن «ماشي عليك» المحلية تحتوي على معنى بعيد كل البعد عن ما تم شرحه، فالمعنى هنا في موروثنا الاجتماعي هو حسي وليس مادياً، فـ«ماشي» بمعنى: سائر أو ذاهب، والأصح ماشياً. أما عليك فتعني: على نفسك، أو إليك وإلى شخصك. وكل ذلك ترجمة للجملة ومفرداتها للشكل الظاهر، أما تركيبة جملتنا فهي مغايرة لذلك المعنى، وتحمل معاني أخرى، فعندما يقع خطأ على شخص ما من آخر فيخاصمه فيكون ذلك الخصام بمثابة عقاب لا يتحمله الآخر، خصوصاً أنه تسبب في الخطأ، فيقوم المتسبب بالسير إلى الآخر ليرضيه ويطيِّب خاطره، وأيضاً تبعاً لتعليمات رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث عندما قال «لا يحق للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال...» الخ الحديث الشريف. فالسير إلى الذي وقع الخطأ عليه واجب، ونحن في مجتمعنا نقول لإرضاء شخص وقع عليه خطأ «بمشي لك حافي من مكاني لين مكانك».. كل ذلك لإرضاء الطرف الآخر وإعطائه شعوراً بالندم الحقيقي تجاه ما بدر منا في حقه. وهنا يأتي الارتباط بين الممارسات والجملة، فالممارسة نقول إن الشخص سوف يذهب إلى من أساء هو في حقه على قدميه، ليؤكد مدى أسفه له، والجملة أوصلت نفس المعنى فكلمة «ماشي عليك»، أي سوف أسير لك طالباً العفو وأن تجود علينا نفسك بالرضى وقبول الاعتذار. والجمل كالآتي: «ماشي عليك»، «بمشي عليك»، «ماشين عليكم»، كلها تعني أننا نعتذر أمام الناس أجمع مما يرفع من قدر المعتذر إليه. كما يقال أيضا عندما يكون هناك حكم قد صدر في حق أحد الأشخاص لآخر، فتذهب مجموعة من الأشخاص للمحكوم له ويطلبون العفو للآخر، فيقولون «نحن ماشين عليك»، وبالعامية العربية السائدة «إمسحها فينا» و«نباك تطَيح الموضوع عن فلان»، أي نطلبك بحق الصداقة، ها قد جئناك سائرين إلى مكانك فنرجو أن تقْدر سيرنا إليك وتعفو عنه. فكما ترون فإن كل هذا الكلام فقط لشرح جملة لا تتعدى كلماتها الاثنتين، ليقف موروثنا في دولة الإمارات العربية المتحدة شامخاً بغزارته ووعيه وبلاغته، وجملة «ماشي عليك» ليست بالضرورة أن يكون المشي فعليا، فالكلمة عموماً لا تعني السير على الأقدام إنما تعني السير إلى النفوس، وهنا أذكر بيتا للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، في نفس الموضوع يقول:

قاصد جداكم حافي يا حلوين المشم

ولكم ضميري حافي ولغيركم ميعم

ويقول الشاعر راشد الخضر رحمه الله:

إن جان شي معروف وإحسان

أمشوبيه والا مشوبه

وتقول عوشه (الشاعرة فتاة العرب):

جدا من صوبهم سلجه ريولي

تدوس الشوق وجدامي حفايا

الأمر الذي يؤكد أن المشي حافياً تجاه أي شخص، هو في موروثنا الشعبي الاجتماعي قدر وكرم له لحسن مكانته وقدره لدى من أتي إليه أو طلبه.وللحديث صله...

عبد الله حمدان بن دلموك