سادت، أخيراً، موجة من التزاحم الصاخب في أوساط منتجي الأفلام في سباقٍ محموم لشراء فيلم المخرج المتمرد كوينتن تارانتينو الجديد، الذي يحمل عنوان «ذا هيتفل إيت» أو «البغيضون الثمانية».

وسرت أقاويل تذهب إلى حدّ أن بعض داعمي المخرج الشهير عرضوا إعطاء قوارير تحتوي دماءهم في إشارة إلى استماتتهم للحصول على الفيلم. إلا أن ضراوة الصخب وصلت إلى الذروة، حين هدد المخرج الخمسيني، ليس للمرة الأولى، بأن ينسحب من عالم الإبداع السينمائي إلى الأبد.

ويشكل الفيلم الأحدث، من بطولة النجمين تشانينغ تاتوم، وصمويل إل جاكسون، العمل الثامن، وربما الثالث ما قبل العمل الأخير لتارانتينو. وقد تحدث للجمهور مرةً: « لا أؤمن بأنه يجب أن تبقى على المسرح إلى أن يرجوك الناس لترحل.

لا يزال لدي عملان آخران بالإضافة إلى هذا، وكفى. يعجبني أن أترك سيرةً سينمائية تضم عشرة أفلام، صحيح أن ذلك ليس منقوشاً في حجر الذاكرة، لكني أخطط لأن أقوم به».

الطفل العبقري

إلا أن موجبات رحيل الطفل العبقري المتقدم في السن لا تنطبق على تارانتينو، من حيث مبيعات شباك التذاكر على الأقل، لا سيما أن عمله الأخير بعنوان «دجانغو أنتشايند» قد حقق 400 مليون دولار في دور السينما العالمية.

والأمر مماثل من منطلق النقد الفني، لا سيما أن تارانتينو يعتبر طفل النقاد السينمائيين المدلل، الذي يعشقون نمط سخريته، ويقدرون معرفته العميقة بتراث البوب، وتاريخ السينما، ويحبذون أسلوبه الحواري وطريقة تصويره للعنف في أفلامه كافة.

لعل تارانتينو يتصور أنه برحيله الآن، سيحافظ على هالة الغموض المحيطة به، وسيبقى خالداً في ذاكرة الناس كشاب عصري مطلع، سريع الكلام، وممثل ومخرج هزّ صناعة السينما منذ ظهوره في التسعينيات في فيلمي «ريسيرفوار دوغز» و«بالب فيكشن».

أما على مستوى أكثر تثبيطاً للهمم، فيبدو أن تارانتينو، المهووس بالأفلام، لم يعد مغرماً بالسينما في عصر الإنترنت، لاسيما بعد أن تسربت نسخ من سيناريو فيلمه الأخير عبر المواقع. كما أنه غير سعيد لواقع تصوير الأفلام وتوزيعها رقمياً.

لا سيما أن السينما كانت تتمتع بطابع من السرية والقدسية أيام شبابه، وكان على عشاق الأفلام أن يعملوا بجهد لبناء قاعدةٍ معرفية حقيقية. خلافاً للوقت الراهن الذي يتاح فيه لأي كان تصفح الإنترنت والحصول على مبتغاه. بات الجميع اليوم يعرفون كل شيء.

لا يحظى منتجو هوليوود المتمردون، تقليدياً، بفرصةٍ تخولهم الابتعاد عن النظام المتبع، حيث يتم لفظهم سريعاً، حتى أن بعض المخرجين ما عادوا يجدون في أواخر مسيرتهم السينمائية من يدعم أعمالهم. أما تارانتينو، خلافاً لهؤلاء، فلم يكن يلاقي أي صعوبةٍ في تمويل أفلامه.

وكان الموزعون الأجانب يقفون في الصف بانتظار شراء آخر الإنتاجات التي تحمل اسمه، بشكل لا يقبل أن يلعب تارانتينو دور الرؤيوي التائه الذي أسيء فهمه، ودفعه للاعتزال.

نزعة انهزامية

هناك على ما يبدو سبب وجيه يدفع تارانتينو لعدم تنفيذ تهديده بالرحيل عن عالم الإبداع السينمائي، وهو أن المنتجين الذين ارتبطوا به عن كثب لن يدعوه يفعل ذلك، فضلاً عن أنه لا يزال في مستهل مسيرته الإبداعية، وسيكون تقاعده في الخمسينيات برصيد قوامه عشرة أفلام فقط تجسيداً للنزعة الانهزامية.