قال القدماء الكثير في مدينة حلب من أبي العلاء المعري إلى المتنبي، مروراً بابن بطوطة وابن جبير، مدينة أغرت الأدباء والمثقفين ليكتبوا عنها، والرحالة ليتركوا عشقهم للترحال من أجلها، والملوك ليبسطوا عرشهم عليها، تعاقبت عليها حضارات وشعوب، حفرت اسمها في جذور التاريخ ولا تزال تحكي الحضارة والأصالة حتى وطبول الحرب تدق فيها من كل مكان.

«لهنّ ولهم السلام»

عن هذه «المدينة الأبدية»، جاء يحكي معرض المصور الصحفي السوري عمار عبد ربه بقاعة «أوروبيا» بالدائرة الباريسية السابعة، من الرابع ولغاية الثامن والعشرين من شهر نوفمبر الجاري.

معرض عبد ربه الذي جاء تحت عنوان في ترجمته إلى اللغة العربية «حلب المدينة الأبدية»، «لهنّ ولهم السلام» حط رحاله بباريس التي لبست معطف الخريف منذ أيام وصارت أوراقه تتناثر على أرصفة الطرقات وتتطاير من على شرفات المنازل، ليحكي يوميات حلبية في زمن اليوم حيث لا لغة في سوريا إلا لغة الحرب، وألفت الوجوه والبيوت والشوارع العيش والابتسامة بين مظاهر الدم والرصاص.

وعن هذه المدينة التي كانت «سيدة» معرضه، يقول عبد ربه في تصريح للبيان «مدينة حلب هي رمز للوجود وعلم في الحضارة وفي التفنن بالحياة، كل ما فيها يفوح برائحة التاريخ وتبقى منارة تضيء على الآخرين حتى في أصعب الأوقات، فهي اليوم تختبر وتقترح نموذجا لما قد تكون سوريا الغد .. سوريا ما بعد الثورة».

الحياة والموت

يعرض عبد ربه في معرضه نحو 15 صورة لمدينة حلب أخذها في الفترة ما بين 2013 و2014، عندما زار فيها المدينة ليوثق الحياة فيها، حيث وجد معالمها الجميلة التي ظلت باقية في مخيلته منذ أن تركها يوما وعمره 12 عاماً، قد غابت وحلت محلها صور أخرى، يبقى متفائلاً كثيرا بأنها ستنتصر عليها يوما لتخرج من هذه الدوامة التي تحاول قتلها.

وتجاورت في صور عبد ربه كنيسة المدينة مع مساجدها ومآذنها، واضمحلت الصورة الخلفية للبنايات المهدمة وشظايا الصواريخ مع الصورة الأمامية لابتسامات الأطفال والنساء، يحضر فيها كل شيء يرمز للمدينة وصنع صيتها في الخارج على مدار قرون، كصابونها الحلبي الذي وكأن عبد ربه اختاره ليغسل آثار الحرب وبطش المقاتلين. وجاء اختيار عبد ربه لموضوع المعرض وجوانبه لرفضه الدائم للصورة التي ارتبطت بمدينة حلب في الإعلام الغربي بصفة عامة، والفرنسي بصفة خاصة ..

حيث كثيرا ما تختصر صورة المدينة في صفحات الجرائد وقاعات تحرير التلفزيونات والإذاعات على صور المقاتلين ورشاشات البنادق والصواريخ حيث يعتبر المصور الصحفي الأمر بأنه هو «الكارثة الكبرى لمدنيي حلب وللمدنيين في المدن السورية الأخرى وحتى في العراق وفلسطين وليبيا وغيرها، فتركيز اهتمام وسائل الإعلام العالمية على تحركات المقاتلين وجبهاتهم، يؤدي بصفة تلقائية إلى تجاهل المدنيين ومعاناتهم ..

. فالتركيز على من يشكل 5 بالمئة من سكان منطقة حلب مثلا أو أقل يجعلنا ننسى الـ95 بالمئة الآخرين الذين عليهم الاستمرار بالحياة والبحث عن المياه والكهرباء والتدفئة والمدارس والطعام تحت القصف المتواصل وتحت خطر الخطف ونيران القناصة... أنا أرفض أن نختصر هذه المعاناة اليومية وهذه الآلام في صور المحاربين وأسلحتهم وتحركاتهم».

حلب والمحنة

وعن الرسالة التي يريد عبد ربه إيصالها من عنوان المعرض يقول عبد ربه «للمعرض عنوان بالفرنسية هو «آ آيل أو بي» وهي طريقة تهدئة أو لفظ كلمة حلب باللغة الفرنسية. وتعني عندما نحولها لجملة «لهنّ ولهم السلام» ووجدت أنها طريقة طريفة وجميلة لمخاطبة الجمهور الفرنسي وتقديم المعرض له.

 وبالنسبة للعربية لم يكن هذا التلاعب بالكلمات ممكن فاخترنا عنوان «حلب المدينة الأبدية» لأني على يقين أن هذه المدينة التي تعتبر من أقدم المدن المأهولة في العالم، ويتجاوز عمرها الخمسة آلاف سنة سوف تتجاوز هذه المحنة وتعود أجمل وأقوى مما كانت عليه … هذه الناحية الأبدية في هذه المدينة مدهشة ولا يمكن لمن يزورها ويمشي في شوارعها وينظر إلى قلعتها إلا أن يفكر بأبديتها». .

وسط الدمار

يدافع عبد ربه الذي يرفض اعتبار نفسه مراسلاً حربياً، بالقول: ليس لدي أي عشق أو ولع بالحروب، اني أكرهها وأحاول الابتعاد عنها، لكن طبعاً عندما تكون الحرب في سوريا أو في العراق أو في لبنان أو ليبيا وهي كلها أوطاني من الصعب تجاهلها والابتعاد عنها، فأغطي ما يجري وأحاول أن أركز على الحياة وسط الدمار وعلى الأمل بعد الحزن » .