ما يتلمسه المتابع للدورة الثانية من مهرجان دبي لمسرح الشباب في يومه الثاني، شوّقه للحضور ولقاء مجموعة الشباب المسرحيين والمعنيين بالفنون عامة بمقر ندوة الثقافة والعلوم في الممزر بدبي..
ومعايشة الأجواء الحيوية والتفاعل مع الجميع ليشعر أنه ضمن محيط أسرة تحتويه بود وألفة وانفتاح على الحوار والنقاش والنقد.
وما بين التواصل الاجتماعي والفكري لفعاليات اليوم الثاني من المهرجان، يتحرر الحضور من قيود الزمن لينتقلوا بعد متابعتهم ندوة «تداولية الخطاب المسرحي» في مجلس المهرجان إلى مشاهدة المسرحية المشاركة في المسابقة «قوم مطران» للمخرج الشاب مروان عبدالله صالح والمؤلف عبدالله صالح الرميثي، وجلسة النقاش التي تلتها.
فعل الكلام
ويحسب لهيئة دبي للثقافة والفنون نجاحها في كسر جمود الندوات التقليدية على صعيد الشكل والمضمون، حيث يدخل الحاضرون إلى قاعة أشبه بمجلس عائلي أو مقهى يلتقي فيه الأصدقاء.
واستطاع المشاركون في الندوة وهم : ماهر منصور الناقد المسرحي الأكاديمي والكاتب المسرحي الناشئ محسن سليمان وعلياء المر بالعبد المهيري المسؤولة عن تعزيز اللغة العربية في الهيئة التي أدارت الحوار، من تبسيط الجانب الأكاديمي لمفهوم التداولية المعنية بالخطاب المسرحي وربطه بلغة واقع الحياة والحراك.
والذي يُقدم قراءة لفعل الكلام وتطويره للحدث ضمن بنية سيكولوجية داخلية وبيولوجية خارجية في سياق المكان والزمان. وتداخل النقاش بين المحاورين والحضور ليتطرق إلى الحدود التي تفرضها اللغة العربية الفصحى على كاتب النص المحلي واستخدامه لخصوصية المفردات المحلية التي تفرض عليه اختيار مواضيع خارج محيطه المحلي، بالمقابل اتفق أغلبية الحضور على إمكانية المزاوجة بينهما حينما يستدعي فعل الكلام ذلك.
حبيبة وبارباص
وبعد فسحة من الزمن ينتقل الجمهور إلى قاعة المسرح، ويستغرق في أجواء مسرحية «قوم مطران» بين الفرجة البصرية والمحكية، ليتعرف على خيوط القصة برمزيتها ..
والتي يتأرجح معها بين منظومة من الأحداث تتشابك تارة، وتتفكك أخرى على حساب حركة السينوغرافيا وتشكيلات الكاريوغرافي. يتعرف المشاهد في البداية على حبيبة التي يُقتل زوجها وهو يحاول استرجاع حقوق قبيلته من «بارباص» الشرير وشريكه ديبورا.
مد وجزر
وتتصاعد الأحداث برمزيتها وجرأتها مع محاولات حبيبة في استنهاض أفراد القبيلة للوقوف في وجه أطماع «بارباص»، ورفض زعيمها همّام لهذا التصدي على الرغم من كونه والد القتيل، خوفا من اندثار قبيلته. وتتبع نساء القرية حبيبة في رحلتها، ليربك الراوي القريب من شخصية الدرويش، الحضور بتعليقاته من أماكن مختلفة داخل الصالة..
ولتأخذ القصة تفرعات في استعراضات تربك المشاهد بعد انبهاره بها، وتأخذه باتجاهات تثير حيرته برمزيتها كما هو الواقع المعاش بين مد وجزر، لتعود النساء إلى قبيلتهن مهزومات يتوسلن الغفران بينما تتحول حبيبة إلى «جان دارك» أخرى لا تحقق شيئاً. ليخرج المشاهد إلى متاهة جديدة لا يحمل منها سوى ومضات متفرقة من النص.
رمزية العمل
حمل العرض الكثير من الجوانب والمشاهد الإبداعية، التي تُحسب للمخرج وبعض الممثلين، خاصة المشاهد الكوميدية التصويرية التي جمعت بين حركة الجوقة وحوار المغرد.
كما نجح في توظيف عناصر الرمزية بين «العقال» الذي يجسد النخوة والشهامة في بداية العمل وبين سقوطه كانهمار المطر على أفراد القبيلة بعد هزيمة حبيبة، والذي صاحبه وصول المساعدات الإنسانية، وبين أزياء رؤوس المؤامرة «بارباص» ومساعده «ديبورا». أما على صعيد الممثلين فقد هيمن الخطاب المسرحي على أغلبية الممثلين باستثناء المغرّد والمتآمرين.
الإضاءة والمتلقي
وأجمع المتحدثون في النقاش الذي تلى العرض وبعد إشادتهم بقدرات وموهبة المخرج ومشاهد الفانتاسيا الجميلة، على إشكالية الإضاءة التي لم توظف جيداً في الكثير من المشاهد مما أتعب المتلقي، وغياب البناء الدرامي للنص بما فيه الزمن، وغياب انسجام الأداء الجماعي للمجموعات مع الحركة نصاً وتعبيراً.

