مبنى متحف الفن الحديث «مؤسسة لويس فيتون» في باريس، التحفة المعمارية الجديدة للمصمم الأسطوري الكندي الأميركي، فرانك غيري، يمكن وصفه بأنه جنوني وحنون. فهو جنوني في تعقيده الهيكلي.. وحنون إذا ما نظرنا إليه بالطريقة التي استشهد بها جيري بمايكل أنجلو، ليشرح الانحناءات الزجاجية الـ12، التي تتموج حول لب المبنى كالأشرعة الواسعة أو حراشف السمك الشفافة.
دعائم وجسور
فوق المبنى وحوله، هناك المئات من الدعائم الفولاذية، وقطع بسماكة متر من الخشب المنضد.. ومفاصل يمكنها أن تحمل الجسور، حيث تنحرف وتتوجه لتربط اللب الإسمنتي الشبيه بالجبل الجليدي لصالات العرض الـ11 في المبنى، مع الطبقة الخارجية من الأشرعة الزجاجية.
ويعد هذا المبنى أكبر مشروع للفنون، ممول من القطاع الخاص في باريس منذ عقود. فهو مشروع ضخم في التراث الفرنسي. ويقول جيري عن مبناه: «يجب عليك أن تحافظ على الأشياء غير ثمينة. فمثلا يجدر بك أن تحافظ على جودة الرسم التخطيطي.. فكل شيء منجز بشكل مبالغ فيه هو جامد بالنسبة لي، وليس حياً وغير قابل للتفسير.. جعلنا المبنى عابراً.. كأنه منحوتة كبيرة..فهو عائم ومتغير، يراه الناظر وكأنه ينمو ..لا يهم ما تفعله بمبنى عادي، فهو مبنى جامد..إلا أن هذا المبنى ليس كذلك».
تقاليد فنية
يتلألأ درع الأشرعة الذي يغلف المؤسسة، مع انعكاسات للأشجار المحيطة، محروفة بشكل دقيق. ويتركز لب المبنى في مغارة من الماء. ومقدمته الزجاجية تبرز فوق شلال متدرج من الماء، حيث إن تشبيه المبنى مجازياً بـ «السفينة» هو استعارة جيدة، إلا أن هناك تشبيهاً أكثر جاذبية..
وهو الحوت الأبيض الغامض الذي اصطاده الكابتن «آهاب» في رواية «موبي ديك» لـ«هيرمان ميلفيل». ومن داخل تصميم الهندسة المعمارية للمؤسسة الشبيهة بمبنى كلية، تظهر تقاليد الفنون البنائية والتكعيبية إلا أن العوامل المؤثرة في فن جيري تعود إلى ما هو أبعد من حداثة أوائل القرن العشرين.
«الطبيعة صنعت الوجه» يقول جيري متأملاً .. ويتابع: «الإنسان صنع الملابس.. مايكل آنجلو درس الطيات. قضى الكثير من الوقت حقاً في تصوير الملابس والطيات.. عندما تكون طفلاً رضيعاً بين ذراعي أمك، فأنت في الطيات».
لن تصادف مبنى أكثر تبريراً لتجنب الزوايا القائمة والتكرار في العمارة، فكل عنصر هيكلي، وكل قطعة من الزجاج مستخدمة لمرة واحدة. وأثناء حديث جيري عن هذا المبنى الذي أثار جدلاً كبيراً في أنحاء متفرقة من العالم وليس في باريس فقط، ظهرت إنسانية شخصية براقة في كلامه حين قال «عشت في باريس في عام 1960. وأحضرت ابنتي الصغيرة إلى هنا». وأضاف بشكل لطيف، إن إحدى بناته ماتت، تماماً عندما بدأ بالعمل على تصميم «مؤسسة لويس فيتون». وذلك منذ أكثر من سبعة أعوام مضت.
وصرح جيري بأن الزبون هو مفتاح أي مشروع معماري ناجح، وأن برنارد آرنولت، الذي تمتلك شركته مؤسسة لويس فيتون، هو واحد من أولئك الزبائن. ففي عملية تصميم ازدحمت برسومات تشبه الخربشات، وبسيل من النماذج اليدوية الصنع (والتي تشبه آميبا مزعجة التهمت كتل البناء)، أنتج جيري في نهاية المطاف، أربعة نماذج اختيارية لأشكال مبان محتملة. ويقول: «كلما حاولت أن أجعل النموذج أكثر كفاءة معمارياً، كان برنارد يقول لا يا فرانك.. نفذ هذا التصميم . فهو يغويني».
