في خريف عام 1787، وعلى أحد جدران متحف اللوفر في باريس، كانت هناك لوحة بورتريه ذاتي للرسامة الفرنسية إليزابيث لويز فيغ لوبرون، هذه اللوحة تقليدية في بعض النواحي وتجسد صورتها وهي تُجلس ابنتها الرضيعة على ركبتها في لفتة فنية تمكنت من استدعاء كل من مريم العذراء والمثل العليا للأمومة البرجوازية الجديدة.. زوار المتحف كانوا يعتقدون في ذلك الوقت بأن هناك مشكلة في اللوحة وهي في فم الأم، فقد كانت تتبسم ابتسامة لم تكن تشبه ابتسامة الموناليزا الغامضة والمرسومة بتكلف، بل ابتسامة تظهر أسنانها، ما دفع الناس لاتهام الفنانة بالجنون والوقاحة واندماجها في ما يشبه الثورية البرية، وهذه المعتقدات كانت كفيلة بجعل الناس يمرون بجانب اللوحة ويتجاهلونها وكأنهم لا يرون شيئا، أي أنه حتى ذلك الوقت كانت الحضارة الغربية تستهجن الابتسامة.
ثورة الابتسامة
يتناول المؤرخ البريطاني كولن جونز المتخصص في توثيق التاريخ الفرنسي في كتابه الجديد «ثورة الابتسامة» المراحل التي بدأت فيها الحضارة الغربية تتعرف إلى مصطلح الابتسامة، وفي هذا العمل المسلي والجاذب للانتباه والابتكاري بشكل كبير فإن جونز يتجول بقرائه بين أروقة تاريخ الفن والأدب والثقافة منتقلاً إلى تاريخ العلم والطب وطب الأسنان، ليروي قصة فريدة وغير محكية عن مصطلح سطحي كان ضائعاً لفترة طويلة في قلب الحضارة الغربية.
في هذا الكتاب الذي يعج بالرسوم البيانية يظهر كولن جونز تلك اللحظة في منتصف القرن 18 عندما تعلمت باريس كيف تبتسم، ويكشف كيف أنه حتى ذلك الوقت كانت المحكمة تبعد عن فرساي كل من كان يصر على الاحتفاظ بابتسامته، ويعود هذا الأمر بشكل جزئي إلى كون أسنان الطبقة الأكثر تميزاً في فرنسا كانت مصابة بالتسوس بسبب الإفراط في تناول الحلويات والسكاكر، وهنالك أفراد أجبروا على خسارة أسنانهم، وأفواههم المفتوحة كانت غالباً مثيرة للاشمئزاز، وأيضاً كانت المعتقدات في ذلك الوقت تجعل من يبتسم يخاطر بتعرضه للاتهام بالجنون أو اعتباره من عامة الشعب، فالتبسم كان أمراً مثيراً للامتعاض حرفياً، وأحكام السلوك التي يعود تاريخها إلى «العصور القديمة» استهجنت فتح الفم للتعبير عن المشاعر في معظم الحالات الاجتماعية، وتم ربطه بالنظم الأدنى غير المهذبة.
الثقافات المتباينة في يومنا هذا لديها أحكام متفاوتة بشأن التبسم شأنها شأن المجتمعات القديمة، وفي أواخر القرن الثامن عشر هذه التقاليد البغيضة تغيرت، ما يعكس تحولات واسعة للطريقة التي عبر بها الناس عن مشاعرهم، وهذا سمح بظهور «امتياز اعتدال الابتسامة الحديثة» الابتسامة مفتوحة الفم التي - من خلال تسليط الضوء على الجمال الجسدي و التعبير عن الهوية الفردية- أظهرت أسناناً بيضاء. كان هذا التحول متصلا ًبعدد من الأسباب؛ كتغير النظرة المجتمعية لأصول التهذيب، وإيجاد مثل عليا جديدة في الحساسية، وكذلك حدوث تبدلات في أنماط تقديم الذات.

