«ألا تلاحظين أن الصورة بالأبيض والأسود توضّح المعنى أكثر»!
«لماذا يميل الكبار لإظهار الصور على غير حقيقتها»؟
هذه من أبرز الملاحظات التي تلقيتها من مصورين يعيشون سنوات الطفولة، لكن رؤيتهم البصرية على مستوى عالٍ من النباهة ودقة الملاحظة وسرعة البديهة. عشرات الملاحظات والاستفسارات والتعليقات العفوية التي سمعتها من الأطفال، علقت في ذهني، وأخذت حقها في التحليل والتأمّل. هل هذا أمرٌ مستغرب؟
ربما يميل الغالبية لاعتبار فكرتي تحمل قدراً من المبالغة، لكن الحقيقة أن عيون الأطفال لديها خاصية فريدة من نوعها، وهي المصداقية العالية في نقل الفكرة المكوّنة في الذهن للناس، الأطفال لا يعبؤون كثيراً بالفلاتر اللفظية المتنوعة التي تعيد صياغة أفكارهم ورؤاهم وملاحظاتهم.
فعلى سبيل المثال، يندر أن نرى مصورين ناضجين يقولون إن «الفراشة حشرة قبيحة والخنفساء أجمل منها بكثير»، بينما تلك الطفلة الجميلة قالتها بكل عفوية وبراءة، وهي تعني ما تقول تماماً، ولم يكن لديها أدنى تحفّظ في سرد مبرراتها بكل ثقة «الرأس الصغير والجناحان الكبيران، يجعلان الفراشة تبدو كالمهرّج المجنون وهو ليس جميلاً، بينما الخنفساء الحمراء جسمها متناسق وألوانها جميلة جداً».
كلنا نؤمن بتعدّد الأذواق والمشارب ووجهات النظر، نحن لسنا هنا بصدد إطلاق الأحكام بمنطقية توصيفات الطفلة الجمالية من عدمها، بل لتسليط الضوء على خصوصية الرؤية البصرية للطفل، وخصوصية معاييره التي قد لا تخطر على بال العقول الناضجة التي مهما كان لها رصيدٌ إبداعي، إلا أنها بالتأكيد تعاني من فلاتر التفكير والتعبير معاً.
طريقة التفكير الطفولية تحمل العديد من القيم الفنية التي يجب وضعها بالحسبان، ويجب منحها الاهتمام الكافي والرعاية المتواصلة والصقل المدروس، كي نصل بها إلى أعلى أسقف العبقرية الفنية.
في مجتمعاتنا العربية، هناك تحسّن بطيء وطفيف في تقدير عقول الأطفال ومواهبهم المختلفة، وبالمقابل، هناك نسبة عظيمة من الآباء والأمهات، وأيضاً المعلمين والمعلمات، يعتبرون الأطفال «فاقدي القيمة العقلية» حتى تجاوز مرحلة الطفولة، ويعتبرون أن كل ما يصدر عن الطفل من أفكار ورؤى وملاحظات وأسئلة، مجرّد «مضيعة للوقت»! وينسون أو يتناسون أن أغلب أسئلتهم التي نتجاهلها ونقلّل من قيمتها، لا نملك أجوبة عنها من الأساس!
أحد المصورين العرب المغتربين يصطحب طفله ذا العشرة أعوام معه في كل أنشطته الفنية، ويولي آراءه اهتماماً بالغاً، والمناقشات حول التصوير بينهما قد تطول لساعات، كما أنه يقوم بتدوين أفكار طفله في مذكرة خاصة.
فلاش
إذا لم تفهم علاقة الطفل بالكاميرا! فهذا مديحٌ له.
