«يشق ويرقع» كسابقاتها من الجمل التي أتينا على شرحها في الأعداد السابقة، لن تجدوا لها معنى ظاهرا ولكن يأخذنا معها موروثنا إلى أبعد من حدود المعنى المباشر.

فكلمة «يشق» فعل مضارع، بمعنى أن الشخص الموجهة له هذه الكلمة، يقوم بعمل شقٍّ أو يصنع شقًّا في شيء ما، والإسقاط هنا على رقعة قماش، أي أنه يقوم بشق قطعة القماش. أما «يرقع» ففعل مضارع أيضا، بمعنى أنه يقوم برقع الشق إن وجد، سواء كان في قماش أو غير ذلك.

أما المقصود الثقافي التراثي للجملة في مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة، فهو ناتج عن قصةٍ دارت بين فتاتين، إحداهن ابنة شيخ القبيلة والأخرى ابنة أحد الأعيان فيها، ويقال إنهما من المنطقة الشمالية في الدولة، فقالت ابنة الثاني متفاخرةً بأبيها أمام بنات القبيلة بحضور ابنة الشيخ، «أنا بنت من شق ورقع»، الأمر الذي حرك حمية ابنة الشيخ فقالت متباهية بأبيها مع زيادة في الوصف والمدح هي الأخرى «وأنا بنت من فصّلها قبل توقعْ».

ومن خلال هذه القصة وغيرها من الجمل والقصص التي تشبهها، حفظت ذاكرة الموروث الاجتماعي للدولة هذه الجملة التي ظلت ملتصقةً بأهلها، واضعة بين أيديهم إرثا اجتماعيا نابعا من تلك الممارسات التقليدية النبيلة، التي بقيت معهم نبراساً يقتدون به في أمور حياتهم كافة، ودليلاً توارثوه جيلاً بعد جيل وكان له بالغ الأثر في استمرارية وجودنا على هذا الجانب من الأرض حتى الساعة.

فجملة «يشق ويرقع» تعتبر في موروثنا، وعند مجتمعنا هي بمثابة وسام شرف يتقلده كل من يوصف بها، وذلك لما تحتويه وتحمله من معانٍ رجولية تصف ذلك الشخص بأنه يستطيع أن يعالج المواضيع الشائكة ويحل المشاكل والمعضلات الكبيرة ويتحمل المسؤولية عند اللزوم.

وإذا أوكل إليه عمل ما وتسبب في مشكلة بإجراء اتخذه هو، استطاع وبكل براعة الخروج منه دون أن يتأذى أحد، سواء ماديا أو نفسيا، كما أن لديه قوة لاتخاذ القرارات في أصعب الظروف، ومحل ثقه، ويستطيع خوض كل التجارب التي من الممكن ألّا تكلل بالنجاح، لكنه قادر على أن يصلح الأخطاء إن حدثت.

وهكذا فإن موروثنا ببلاغته يوفر علينا مئات الكلمات لشرح ما قمنا بشرحه أعلاه في كلمتين اثنتين فقط (يشق ويرقع). نعم، في كلمتين فقط، ليختصر بهما كل المسافات ويضع بين أيدينا برهانا آخر يبين أن هذا الموروث أبعد بكثير من متناول أقلام المشككين فيه، فهو بعيد عنهم بعد لغتنا الأم التي أنزل الله القرآن الكريم بها.

والوصف لا يقف عند الأسباب المادية فقط، بل يشمل الأمور الاجتماعية أيضا، مثل حل النزاعات بين الناس وإصلاح ما بينهم، ولديه القدرة على تغيير وتبديل قناعات الناس للأفضل، ويحب للناس ما يحب لنفسه، وتجده يسعى في حاجة ومصالح الجميع، ويسدي لهم النصح بآراء نيرة بنّاءة.

وللحديث صلة...