باربيزون .. واحدة من أجمل القرى الواقعة في الريف الفرنسي القريب من العاصمة الفرنسية باريس.
القرية «الشارع» التي تتكون أساساً من شارع رئيسٍ وحيد على يمينه ويساره مجموعة من الفيلات والبيوت الفاخرة، تسكن بجوار غابة «فونتان بلو» المميزة، المعروفة بأشجارها الأسطورية وصخورها المتراكمة وخصوصاً قصرها الملكي الذي يعود بناؤه إلى عهد الملك فرانسوا الأول، غابة وكأنها جاءت بالقرب من باربيزون فقط لتحمي جمالها الخلاب من عيون العالم وتزيدها جمالًا وتميزاً بأشجارها النادرة وطبيعتها الخلابة التي ينبض قلبها البيئي بفضل الـ130 هكتاراً التي تحويها.
القرية الصغيرة التي لا يتعدى عدد سكانها ألفي شخص، وتقع جغرافياً في إقليم سيني مارن التابع لمنطقة إيل دو فرانس، تمكنت على مر السنوات من صنع صيت عالمي لها، تعدى حدود فرنسا ليبلغ أقصى العالم، بفضل الفنانين والمثقفين الذين مروا منها ذات يوم وصارت منذ يومها تلقب نسبة لهم «قرية الفنانين».
فلطالما استهوت الضاحية الباريسية التي تعد قرية باربيزون جزءاً منها، على مدى قرون من الزمن، الأدباء والكتاب والرسامين والمطربين الذين جعلوها حاضرة في إبداعاتهم الأدبية والفنية لأنهم وجدوا فيها ملجأ من ضوضاء وزحمة العاصمة باريس ومصدر إلهامهم، فهجروا مدينة الأنوار من أجل الاستقرار في طبيعتها العذراء التي ما بخلت في تقديم نفسها لهم قرباناً لإبداعاتهم.
اشتقاق
اشتقت باربيزون شهرتها من مدرستها الشهيرة التي سبقت الانطباعية والتي صارت تسمى نسبة إليها وهي «مدرسة باربيزون» التي ظهرت أولى بذورها عام 1850، حيث كان سكان القرية الصغيرة من المزارعين والفلاحين في هذه الفترة يستقبلون بكل كرم وسخاء الفنانين والرسامين والكتاب الفرنسيين الذين هربوا من ضغط العاصمة باريس بضجيجها وصخبها وكثرة الزحمة فيها، نحو الريف القريب منها، ليلجأوا إلى القرية التي وجدوا فيها مكاناً للراحة والاسترخاء والهدوء.
هؤلاء الفنانون الذين مكثوا بالقرية مجدوها في مخيلاتهم وجسدوها بعدها في إبداعاتهم، صانعين ثورة في عالم الفن وخالقين نوعاً جديداً فيه بفرنسا يتقارب مع بعض ما بدأ يدعو إليه بعض الفنانين الانجليز وفي مقدمتهم «تيرنر» و« كونستابل» يمجدون الطبيعة إلى حد «التصوف» ويقومون أساساً بالعمل في الخلاء لتصويرها (الطبيعة) بعذريتها مباشرة، وليس داخل جدران المرسم كما كان عليه الشأن في تلك الفترة من القرن التاسع عشر.
جيل الرسامين
ودعا رواد هذا الفن الجديد الذين خرجوا بفضله عن طوع المدرستين المسيطرتين والمتنافستين في تلك الفترة وهما الكلاسيكية بزعامة «أنغر» والرومانتيكية بزعامة «ديلاكروا»، جيل الفنانين والرسامين الفرنسيين بكل هدوء، إلى تبني فكرة الابتعاد عن المدينة والهجرة إلى الريف والغابات، لنقل الواقع أو الحدث من مكانه مباشرة، كما تراه العين المجردة بعيداً عن التخيّل والتزويق الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر.
وبنظرة عاطفية مملوءة بالعشق للطبيعة، خرج رواد هذا الجيل الجديد من الفنانين من حدودهم الجغرافية الملموسة والتقليدية ونفذوا أعمالهم في الهواء الطلق باعتبار الطبيعة عندهم «الملجأ والملاذ». تصرف لم يعجب الفنانين والرسامين الكلاسيكيين في تلك الفترة الذين انتقدوهم وسخروا من رسوماتهم وحاربوها.
رواد المدرسة
يعد تيودور روسو (1812، 1867) عند البعض المؤسس الفعلي لمدرسة باربيزون، من مواليد العاصمة باريس، بدأ فن التصوير في سن مبكرة لم تتعد 14 عاماً بمدرسة الفنون الجميلة، ومنذ شبابه كان يهوى التمرد على المألوف والنظرة الكلاسيكية التي كانت سائدة في تلك الفترة ليهرب نحو الريف والطبيعة بقرية باربيزون التي ملك بيتاً فيها، واستلهم منها غالبية أعماله، وحضرت غابة «فونتان بلو» بالكثير من صوره.
خروجه عن المألوف في عالم الفن والتصوير دفعه الثمن غالياً عام 1836 عندما رفضت لوحاته التي تقدم بها إلى صالون باريس، ليعرف بعدها باسم المرفوض العظيم في الساحة الفنية الفرنسية لتعدد رفض أعماله حيث لم تعط أهمية لنظرته الجديدة للفن من قبل المشرفين على معارض باريس.
كل هذا لم يقلل من عزيمته لدراسة الطبيعة والتخصص في تفاصيلها بدقة، ولم تأته الشهرة إلا متأخرة مع قيام الثورة ضد الملك فيليب الثاني عام 1848 حيث فتحت أبواب صالون باريس على جميع الفنانين باختلاف توجهاتهم وأشكالهم الفنية لتقابل أعماله بالتشجيع ويحصل على الجائزة الذهبية.
عام 1855، قرر القائمون على الصالون تخصيص جناح خاص بالفنان الذي صار يعتبر رائد المذهب الطبيعي في فن الرسم الفرنسي.
فن الرسم
الاسم الثاني في مدرسة باربيزون بعد تيودور روسو، هو شارل فرانسوا دوبيني (1817، 1878) حيث ورث فن الرسم عن والده الذي كان يهوى تجسيد الطبيعة على أوراقه البيضاء لحد العشق والولهان، ويعد دوبيني من أهم رسامي باربيزون من الناحية الفنية وربما أوسعهم شهرة بفضل أسلوبه الغنائي في رسم المناظر الطبيعية، والمميز فيه أنه ذهب في «جنونه» للطبيعة إلى حد بناء مرسم في قارب حيث يتسنى لهم الرسم في أنهار باريس الجميلة.
جون فرانسوا مييه (1814، 1875)، وجان باتيست كاميي كورو (1796-1875)، هما الآخران يعتبران من أهم مؤسسي مدرسة باربيزون، وكان لهما الفضل في تطويرها ونشر أفكارها، تركا بصمتهما محفورة في متاحف وبيوت وفنادق القرية بفضل أعمالهما التي تعدى صيتها حدود فرنسا لتدخل بعض أعمالهما أكبر المتاحف العالمية كمتحف اللوفر بباريس، اضافة إلى تيودور كاروييل داليني (1798-1871)، وبول هيغي ( 1803، 1869) اسمان تبعا الرسامين الأربعة رواد مدرسة باربيزون مشياً على خطواتهم وصارا يرتبطان كذلك بهذا الفن الجديد.
عبور حتمي
صيت القرية بدأ ينتشر شيئاً فشيئاً في كامل المدن الفرنسية، حيث صار الأجانب من كامل الدول الأوروبية كروسيا وانجلترا وحتى من الضفة الأخرى للمحيط الأطلسي بالولايات المتحدة الأميركية، الذين كانوا مسجلين بورشات فنية باريسية يسيرون على خطى أهل المدينة ليلحقون شيئاً فشيئاً برفاقهم الفرنسيين بالقرية.
ومن هنا انفجر صيت القرية لتصير في وقت قصير مكان عبور حتمي على كل فنان ورسام يتواجد بالعاصمة الفرنسية باريس الذهاب إليه ولو لأيام قليلة. بعد عودتهم إلى ديارهم وبلدانهم كان هؤلاء الفنانون والأدباء خير سفير يتحدث عن تميز قرية باربيزون التي صار كل شيء فيها يفوح بعطر الفن والإبداع.
وفاء
بعد نحو قرن ونصف من ظهور مدرسة باربيزون، تظل القرية تحفظ عهد الرسامين والفنانين الأوائل، وتجلب سنوياً عشرات الآلاف من الزوار الفرنسيين والأجانب الذين يأتونها من كل مكان ليسيرون على خطى من عشقوا طبيعتها، فاستلهموا منها أفكارهم وشخصياتهم وعشقوها لحد «الإلحاد».
