(شايف العذق فمّهْ) جملة تتكون من ثلاث كلمات، لكنها تحمل في طياتها الكثير من المعاني التي يزخر بها تراثنا وتاريخنا الاجتماعي في دولة الامارات العربية المتحدة، مع العلم بان الترجمة الحرفية للجملة لا توضح العمق الاجتماعي الذي تحتويه، الكلمة الاولى (شايف) وهي فعل ماض ومعناه رأى والثانية (العذق) وهو اسم يطلق على عذق النخلة الذي يحمل البلح (الرطب) اما الكلمة الثالثة (فمّهْ) بتسكين الفاء وشد الميم وتسكين الهاء فهي من شقين في الاصل :- في وأُمّهْ ، وتعني في النخلة والتي هي ام العذق طبعا.

وكما اسلفت سابقا، فالترجمة الحرفية للجملة لا تصل بالمستمع او القارئ الى المعنى الذي يعنيه موروثنا في تركيبة جملتنا لليوم وكما هو الحال مع هذا الموروث الذي يفاجئنا دائما بعمق تركيبته اللغوية التي امتزجت مع خُلق ورقي أهله وسوف اشرح لكم وألقي الضوء على الجانب الآخر منه والذي سوف يبهركم كما أبهرني من قبل بمعلوماته الغنية وبلاغته ودعونا نقرؤها بلغتنا المحلية الاجتماعية، فكما تعلمون ان النخلة هي من اهم الركائز والموارد الاقتصادية في الدولة والجزيرة العربية منذ ان خلق الله الارض حتى يومنا هذا ومن هذا المنطلق تشكلت جملة اليوم مرتبطة بالخير والعزة والرقي والشموخ والقوة والفضل، فالنخلة تحمل كل تلك الصفات وموروثنا قام بتجميع كل هذا في هذه الجملة لتكون صفة لمن تطلق عليه او يستخدمها لنفسه ليترفع عن امور الدنيا واطماعها، وبالفعل من يمتلك الشيء او امتلكه في فترةٍ ما فهو غير شغوف به.

كما لو لم يمتلكه قط او يراه، فهنا يأتي الموروث ليرتقي بالشخص ويشجعه على القناعة بقول (شايف العذق فمّه) والحقيقة ان من يمتلك نخلا لا يتفاجأ بثمره عند رؤيته له ويتمنى ان يجود عليه الاخرون بذلك التمر او البلح او يذهب الى مكان بيعه ليحظى بقليلٍ منه، فهو من مالكي النخل، حيث رأى الثمرة في أمها اي في النخلة، فهناك فرق كبير بينه وبين من لا نخل له، ودعوني أوضح لكم استخدامات جملتنا بشكل اكبر، فهي تقال على لسان صاحبها (أنا شايف العذق فمّه) او على لسان آخر له فيقال (فلان شايف العذق فمّهْ)، فلنفترض ان هناك من قام بتوزيع ملابس او عطاء معين على مجموعة في دائرة أو وزارة او مؤسسة ولم يعطِ احد الموظفين، فإن وجهت جملتنا له مباشرة (فلان شايف العذق فمه) فيعني ان هذا الشخص ذو عز وجاه ولا يضره ان لم يحصل على شيء.

فقد امتلك أنواع وأشكال الملابس وإن قالها هو قاصدا نفسه فهو هنا يواسي نفسه على نسيانهم له ويشجعها على الترفع عن مزاهد الحياة و(شايف العذق فمّهْ) تعني ان هذا الشخص لديه من الخير الكثير وإن لم يكن من أصحاب الخير فهو من أصحاب الحسب والنسب والعز والبيوت التي اشتهرت بالقناعة وبالسمعة الطيبة وبالتالي لا تنحصر جملتنا لليوم في الخير المادي فقط بل والاجتماعي ايضا وهنا يثبت موروثنا مرة تلو الاخرى انه الارقى في الهوية المجتمعية والاعمق في المعنى.