للمجتمعات عدة أشكال وألوان تختص بطبيعتها الاجتماعية، لا سيما عندما يريدون أن يتكلموا أو يشيروا إلى شيء غير مستحب لديهم، فيقومون بتقديم المفعول به على الفاعل، كما هو الحال في نحو اللغة العربية، والأمر نفسه في جملة اليوم، فذهبت الجملة إلى أقصى الشرق عن المعنى، ودعونا نتصور أن المعنى سكن أقصى الغرب، ولو قرأنا جملة اليوم "ما تحل الذبابة على خشمه"، لا تجد لها أية دلالات إعرابية، سوى الترجمة الحرفية لها فقط، والتي في واقع الحال تشكل جملة غير مفهومة، وليس لها معنى واضح سوى ما ذكرناه، دعونا نقوم بالترجمة:

ما تحل: أي تسكن إلى الأرض بعد عملية الطيران، كما يقال "حلت الطائرة" أي حطت الطائرة.

الذبابة: هي الذبابة بعينها.

على خشمه: أي على أنفه.

ولو قمنا بتقليبها من كل الجهات، لن نجد أي تفسير سوى ذلك الذي ذكرناه، ولكن في حقيقة الأمر، هناك معنى تراثي غائر في هذه الجملة، وهو أن هذا الشخص الذي تم إطلاق هذه الجملة عليه سريع الغضب لا يتحكم في أعصابه، له ردّات فعل غير جيدة، لا يحسن التصرف عند الغضب، وهي صفات غير محمودة، سواء دينياً او اجتماعياً عند العرب من قديم الزمان، ولزيادة الإيضاح، فالذبابة حشرة طائرة صغيرة الحجم خفيفة الوزن، ولهذا تم استخدامها في هذه الجملة، لتأكيد أن هذا الشخص لا يتحمل أي شيء، حتى ولو كان بوزن الذبابة الذي لا يكاد أن يذكر، ومن ثم هو شخص يجب الحذر منه، وعدم الدخول معه في أي عمل أو أي شراكة إلا بكامل الاحتراسات، وقد كان الناس يتجنبون من هو بهذه الطباع، حتى إنهم كانوا لا يزوجونه إن تقدم للزواج من إحدى بناتهم، وفي المقابل، هناك أيضاً معنى آخر لجملة اليوم وهو مغاير لمعناها السابق، فهناك من "ما تحل الذبابة على خشمه" في الحق ونصرة المظلوم، وهنا تكون الجملة ذات دلالات أخرى، وهي أنها تعنى الشجاعة والإقدام والتضحية في سبيل الآخرين، ومن ثم يكون لجملتنا معنيان: أحدهما مذموم وغير مستحب، والآخر محبوب ويشعر من يقال فيه بالفخر والعزة، ليبقى هذا الموروث جميلاً بكل تفاصيله المرئية وغير المرئية، يشرفنا حيثما حل وسكن.

للحديث صلة..

 

عبد الله حمدان بن دلموك

a.dalmook@hhc.gov.ae