نسيم من القرن التاسع عشر يفوح من الضفة اليسرى لنهر السين بباريس، «لوريون إكسبريس» أو قطار الشرق السريع (1883-1977) يعود بعد طول غياب، ليأخذ معه الزوار في رحلة عبر الزمن، حيث السفر يأخذ أبعاداً أخرى تفوق أجواء الترحال العادية، يغوص عبر قاطراته الفخمة في حياة البذخ والترف التي كان يعيش فيها البعض، ليأخذنا في تجربة فريدة طالما اختلجت في مخيلة الفنانين والأدباء والسينمائيين.
تختلط فيها رائحة الغرب الآتية من كبرى العواصم الأوروبية بنسيم الشرق القديم، إذ كانت حلب السورية تبعد بضع ساعات عن بغداد العراقية، وإسطنبول التركية يكفيها التوقف لبعض محطات لتبلغ القاهرة، وبعدها أسوان، وتقضي ليلتها في الأقصر المصرية، لتكمل رحلتها في الغد مبكراً إلى فلسطين التي علها صارت تحن إلى مرور القطار منها لينفض غبار التاريخ عن سككها الحديدية.
القطار الأسطورة متوقف ببهو معهد العالم العربي، من خلال معرض يعد حدثاً ثقافياً وتاريخياً مهماً في أجندة معهد العالم العربي لهذا العام، جاء بالشراكة مع الشركة الوطنية للسكك الحديدية بفرنسا «إس إن سي إف» التي تريد إعادة قطار الشرق السريع إلى سككه مجدداً ببلوغ عام 2020.
حدث ثقافي
«هذا المعرض يشكّل حدثاً على الصعيدين الفكري والفني، كما أنه سيسمح بالغوص في تاريخ مضطرب شهد على قيام العالم المعاصر إثر انهيار السلطنة العثمانية والإمبراطورية النمساوية الهنغارية، وتشكل العالم العربي وقيام الاستعمار وانتهائه»، يقول الرئيس المدير العام لمعهد العالم العربي جاك لانغ. كما أن «القطار جاء مناسبة للتأكيد بطريقة مميزة لتلك العلاقة التي ربطت الشرق بالغرب طيلة عشرات السنين، وهو رحلة مباشرة للسفر في الزمن، والتعرف إلى التطور والتغيرات التاريخية التي شهدها العالم العربي منذ 1883»، كما يقول محافظ المعرض كلود مولار.
القطار الأسطورة
ولأن القطار الأسطورة يبقى يحفظ ألف قصة وقصة بين قاطراته، وبرغم واقعيته، ارتبط بالعديد من الروايات الخيالية والقصص التي نسجت خيوطها في مخيلة أدباء وشعراء وسينمائيين عالمين نسجوا منها أجمل الإبداعات، أراد القائمون على المعرض أن يطلقوا عليه تسمية تليق بهذه الصورة التي رافقته طيلة قرنين من الزمن، فجاءت تحت عنوان «كان يا مكان، قطار الشرق السريع»، لتتضح الصورة شيئاً فشيئاً عما ينتظر الزائر، بمجرد أن تطأ قدماه بهو معهد العالم العربي: رحلة يذوب فيها الواقع بالخيال، وينصهر فيها أدب الرحلات بواقعية عالم المواصلات.
تراث تاريخي
الرحلة مع المعرض تبتدئ من بهو معهد العالم العربي، حيث رست قاطرة بخارية وثلاث عربات وحافلة تضم مطعماً من القطار الشهير. حافلة المطعم تبقى تحفظ بداخلها مرور نادل ذلك الوقت وهو يتأهب لأخذ طلبيات الأغنياء والمشهورين الذين تسنى لهم الحظ على السفر على متن القطار الأسطورة، بينما تعطي القاطرة البخارية صورة من عالم آخر وهي راسية بالضفة اليسرى لنهر السين.
أما العربات الثلاث الأخرى الخاصة بالمسافرين، فبرغم السنوات الطوال التي مرت عليها، فإنها لا تزال تحفظ أناقة ولمسة من مرحلة أخرى تمثل الأناقة الفرنسية، جعلت المنظمات الدولية تصنفها ضمن التراث التاريخي للبشرية. الرحلة تتواصل بعدها بمبنى معهد العالم العربي، حيث تتوزع على طابقين أعمال كل من أرخوا لقطار الشرق السريع من أدباء وسينمائيين وفنانين وسياسيين، عبر كتاباتهم، وأفلامهم، ولوحاتهم، وأشيائهم الخاصة التي جاءت هي الأخرى لتحكي ذلك الجو السحري.
تحفة فنية
ولا يمكن الحديث عن قطار الشرق السريع دون الحديث عن «الأب» الذي كان وراء هذه التحفة الفنية، وهو البلجيكي جورج نايغماكرز، مؤسس الشركة الدولية لحافلات النوم في القطارات، جاءته الفكرة غداة سفر له في الولايات المتحدة الأميركية على قاطرات نوم، فكان حلمه السفر بأوروبا، وبعدها إلى المشرق العربي على متن قطار فيه حافلات نوم. ويتواصل معرض قطار الشرق السريع حتى 31 أغسطس المقبل، بمعهد العالم العربي الذي صار اليوم واحدة من أهم المؤسسات الثقافية في فرنسا، يزوره سنوياً ملايين الأشخاص.
القطار الملهم
من عوالم قطار الشرق السريع، استمد المبدعون أفلامهم وكتبهم ولوحاتهم وصورهم التي صارت جزءاً من الإبداع العالمي، كما أن هذا القطار أثر في عطاء الفنانين، فانتقلنا من مشرق كان في مخيلة الرسامين المستشرقين، إلى واقع مجسد برؤية مسافرين تمكنوا خلال أربعة أيام فقط من أن يجدوا أنفسهم في إسطنبول، تاركين وراءهم الحياة على الطريقة الأوروبية.
فالكاتبة الإنجليزية البوليسية الشهيرة أغاتا كريستي (1890-1976) أرّخت لهذا القطار، وكتبت إحدى أجمل رواياتها «جريمة في لوريون إكسبريس»، وهي مستمدة من وقائع حصل جانب كبير منها داخل هذا القطار.
قاطرته رقم 2419 دخلت التاريخ، إذ حولها الماريشال الفرنسي فرديناند فوش إلى غرفة عمليات خلال الحرب العالمية الأولى، وفيها وقعت اتفاقية 11 نوفمبر 1918 المشهورة التي شهدت إنهاء الحرب العالمية الأولى (1914-1918). لورانس العرب، الجاسوسة ماتا هاري، ملك بلغاريا فردينو، الكاتب الروسي ليون تولستوي، الممثلة الأمريكية مارلين ديتريش ومصمم عروض البالي العالمية الروسي سارج دييجيليف، كانوا كذلك من المشهورين الذين أخذوا القطار.

