لم تقتصر الحكايات التي رواها المعرض السنوي العام لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية في دورته 32 على الفرشاة والألوان، ولم تتحدث بلغة اللوحات المرسومة فقط، ولم تقبل بأن تكون تقليدية تشبه تلك التي كانت تحكيها الجدات قبل النوم، بل كانت "قصصاً لم تُحْكَ بعد"، ما جعلها تخرج من علبة الألوان، وإطار اللوحات، لتخاطب العقل والوجدان، وتأخذ المتلقي في رحلة على الذكريات، فتقدم له "الأشياء" التي تعيد له لحظات تفوح منها رائحة الأجداد، وبقايا الضحكات والدموع، وعبق الرسائل الشخصية، وأغراض عكست الروح فاستعانت بـ"أشياء" الجسد.

تذاكر سفر وعملات نقدية وخيوط غزل استقلت في "ضريح" الفنانة توليب هزبر، فكرمت من خلالها الأشخاص الذين فقدتهم، والأشياء التي تحبها، والتي نجحت من خلالها في رواية القصص، ففكت الألغاز الساكنة في مخيلتها.

تكنيك

توليب لم تكن تهدف لكسر التقليدية في عملها الفني، لكنها استقت من عادة "تجميع الأشياء" تكنيكاً فنياً مختلفاً، وعنه قالت: اكتشفت بعد فترة من تجميع "الأشياء" أنها اصبحت ذات قيمة عالية، فقد حرصت على الاحتفاظ بأغراض من فقدتهم، جدي وجدتاي وعمي، وقررت أن أحتفي باللحظات الجميلة في حياتهم بعرض أشيائهم الخاصة بشكل فني، وكل قطعة مما عرضت تحكي قصة، وخصوصاً "طقم أسنان" جدتي الذي يتفرد بقصة حميمية لم تُروَ بعد.

كرسي وملفات وأدوية

ومن خلال "خيوط معلقة" استعادت الفنانة خولة درويش "ذكرى أحبائها"، فرصدت كرسياً عاشت في أحضانه ثمانية أشهر من العناء، برفقة والدها حين كان في المستشفى، وعرضت ملفات وأقراص المعلومات الخاصة بحالته الصحية، وشاركت مع المتلقين أشرطة أدويته الفارغة، والأساور البلاستيكية التي تحمل اسمه، فحكت من خلال تلك "الأشياء" قصصاً مليئة بالدموع والضحكات وما بينهما، وعرضت للمشاهد حالات مرت بها، فشاركها الانفعالات المختلفة بإرادته، طوعاً لا كراهية.

ذكرت خولة أنها بدأت مجموعتها الفنية في ذكرى الأحباء الغائبين، وانتقلت من الرسم إلى الأعمال التركيبية، وقالت عن مجموعتها: كنت المرافق للمرحوم والدي فترة مرضه، وكنت حريصة على معرفة حالته الصحية بالتفصيل، وحين علمت فكرة المعرض، قررت أن أعرض الكرسي الذي عشت في أحضانه ثمانية أشهر أنام وأجلس وأبكي وأضحك بجانب والدي، فكان قطعة فنية روت ما بداخلي من أحاسيس، أما مجموعة الأسلاك حوله فهي خيوط الأفكار التي كانت تراودني في تلك الفترة، وبالنسبة للأشياء الأخرى فقد كان كل منها يروي قصة متفردة بنفسها ومليئة بالانفعالات.

كسر نمطية الفن

أغلفة ذهبية تحيط بالعطور وأدوات التجميل، جمعها الفنان راشد الملا متسائلاً " هل يستحق كل هذا العناء؟"، ومن خلال هذه "الأشياء" روى الملا مجموعة من القصص القصيرة كمقدمة لحكاية طويلة عنوانها "القسوة على الحيوان"، ونجومها الحيوانات التي قُتلت من قبل الإنسان ليتمتع بها كأغذية أو ثياب أو تجميل، ومن خلال مجموعته يستخدم إعادة التدوير كأداة فنية يستوحي منها وسائطه التي تساعده في سلسلته، مسلطاً الضوء على كمية النفايات التي ينتجها الإنسان يومياً، بعد أن نجح في خلق ركن فني منها.

راشد الملا أكد أن الفنان في السابق كان يعبر عن رأيه بلوحة فنية تغزوها الألوان، أما اليوم فقد اختلفت الخامات والأفكار، واتسعت الأفق الفنية، فتنوع شكل العطاء الفني بالتالي.

وعن مجموعته الفنية قال: حاولت كسر النمطية والتقليدية في الفن، واستخدمت الكرتون كخامة فنية رغم أنها مصنوعة لغرض آخر، كما استثمرت الخطوط الواقعة ما بين قطعة كرتون وأخرى في تكوين شكل فني جميل ومبتكر.

تجارب

يعد الفنان حسن شريف من أوائل من قدموا أعمالاً تستند إلى فلسفة وتنشغل عن اللون والكتلة والفراغ، وتوظف الكرتون والصوف والمهملات المعدنية لإنتاج أعمال تركيبية ومجسمات، ما شكل حالة من الدهشة والرفض لفنه في البداية، كون السائد في فترة الثمانينات هو العمل الفني المتمثل في اللوحة، والقماش المشدود على الخشب والمشغول بالزيت أو الأكريليك، إلا أن شريف واصل إنتاجه حتى افتتح أول معرض له داخل الدولة بعنوان "تجارب وأشياء" عام