(جريب) كلمة في المعنى المجرد هي قريب، أما في قاموس الموروث الخاص بدولة الامارات العربية المتحدة، فهي تعني الكثير اجتماعياً وتدخل في صميم العادات والتقاليد التي بثها أجدادنا جيلاً بعد جيل، فـ(جريب) تعني شكراً، وليست شكراً المعتادة بل شكراً بالمعنى المحلي لمجتمعنا كالآتي (أحسنت، ما تقصر، غير الودية، سامحني، عسى بيتك عامر، الله يكبر واجبك، الخ) وكل هذه الكلمات تأتي متلاحقة كجواب لطالب الاستضافة إذا كان المطلوب لتلك الاستضافة لا يستطيع تلبية الطلب، وأود أن أوضح للقارئ أن موروث دولتنا يزخر بممارسات اجتماعية فريدة من نوعها يتم بممارستها بين أفراد المجتمع توثيق العلاقات المجتمعية السامية التي تعزز الترابط الأسري والعائلي والقبلي والوطني، ومنها دعوة الضيوف إلى الطعام وإكرامهم وتوفير سبل الراحة لهم سواء كانوا من عابري سبيل أو من أهل البلد، فمن أشد الأشياء التي من الممكن أن تحملك اللوم الكثير أمام المجتمع المحيط بك هو أن تلتقي بأحد الأشخاص الذين تعرف أنه من غير منطقتك أو حيّك ولا تدعوهم لبيتك لإكرامهم أو حتى على أقل تقدير أن لا تستطع أن تقنعهم للدخول لاحتساء فنجال قهوة على الأقل، فقد كان أسلافنا إن عجزوا عن إقناع ضيف بالمكوث لديهم لإكرامه قاموا بإعطائه رأساً من الغنم يحمله معه عبارة عن رمز لكرامته وحتى لا يقع في خطأ اجتماعي من شأنه أن يقلل من قدره أمام ووسط مجتمعه، كما ينشأ مشهد آخر يعزز ما تم ذكره وهو اجتماع الجيران للتنافس على الفوز بإكرام الضيف من خلال الوجبة القادمة، وكثيرا ما حضرت على منافسة من هذا النوع ولم يستطع أحد الأشخاص حينها بالحصول على فرصة لإكرام الضيف، حيث سبقه جيرانه في ذلك وتم حجز وجبات الضيف على مدى ثلاثة أيام كاملة، فقد حظي ذلك الضيف بتأمين غداء وعشاء له ولمن معه على مدار ثلاثة أيام متتالية وكل وجبة في بيت مختلف، وقد فشل ذلك الشخص في إقناع الضيف في المكوث يوما واحدا إضافيا ليحظى بإكرامه مع انه لا يعرفه شخصيا ولكن سمع بأن هناك ضيفا حل على أحد جيرانه قادما من مدينة مجاورة فهرع مرحباً متباشرا به، واكتفى بوعد من الضيف بالقدوم مرة أخرى لتناول الطعام في بيته، فعدم إكرام الضيف كان بمثابة تقصير في العقيدة والمعتقدات والدين والتقاليد التي تعادل قوانين الدين لدى العرب منذ الأزل، وبالعودة إلى كلمتنا فنجد أنها هي جواب لكلمة (قْرَبْ) بتسكين القاف وفتح الراء وتسكين الباء او (اقرب) فيكون الجواب (جريب) سواء قبل أو لم يقبل الطلب و (اقرب) تعني اقترب وتفضل، فان كان الوقت قريباً من وجبة رئيسية كالغداء أو العشاء تم تجهيز تلك الوجبة للضيف ولا تقل الوجبة عن تقديم ذكر ماعز أو ذكر شاة بلهجتنا المحلية (تيس او ڈبش) ويفضل لزيادة إكرام الضيف أن تكون الذبيحة صغيرة السن ولا تزال تتغذى بحليب أمها ويطلق عليها (راضع، تيس راضع).
شكراً لهذا المجتمع والحمد لله أننا أبصرنا النور في بيئة مليئة بالحب والتسامح والاخلاق العالية التي بذكرها يعم المكان رائحة عطرة فكيف بممارستها وتجربة القيام بها، وهنا نقول ان موروثنا يحظى بتقاليد لا تقدر بثمن وممارسات تضعنا في مصاف أرقى المجتمعات وفي مقدمتها.
وللحديث صلة
a.dalmook@hhc.gov.ae