تحتفظ الأفلام الوثائقية بحضور جيد على الساحة السينمائية، كما تحتفظ بحضورها على شاشات التلفزيون، ولعل السبب في ذلك يكمن في أن أهميتها تتعدى نطاق ما تقدمه من صورة فنية لتصل إلى حدود نشر المعرفة الموثقة، وهو ما يخرجها أحياناً كثيرة من نطاق الفيلم، لتصبح وثيقة يمكن اعتمادها كمصدر.
وبلا شك أن هذا الحال يبرز تماماً في الفيلم الوثائقي الجديد "الطريق إلى 2 يوليو.. خفايا محاكمة التنظيم السري في الإمارات"، الذي أنتجته المنظمة الدولية الخليجية لحقوق الإنسان، وأعده وأخرجه الدكتور علي الجابري، حيث سعت المنظمة من خلاله لأن تقدم لنا صورة مفصلة وواضحة حول هذا التنظيم، كما تتبع سقوط المخططات، لتكشف لنا من خلاله مجموعة أسرار خطيرة، والتي لعبت دوراً في جعل الفيلم مؤثراً وصادماً بما يتضمنه من حقائق.
تفاصيل وشهادات
التفاصيل الكثيرة والشهادات الغنية التي يقدمها لنا الجزء الأول من الفيلم الممتد على 40 دقيقة، كفيلة بأن تبين ما كان يجري خلف كواليس هذا التنظيم، الذي عمل تحت جنح الليل إن صح التعبير، حيث تضمنت هذه الشهادات معلومات مهمة حول نشأة هذا التنظيم في مصر، وكيفية امتداده إلى منطقة الخليج، وطريقة تفاعله داخل الدولة وطبيعة المخططات التي كان يرمي إليها.
وثائق قضية
وعلى كثرة التفاصيل التي يقدمها الفيلم لنا، إلا أن هناك أبعاداً كثيرة يمكن قراءتها واستشفافها من خلال الشهادات المقدمة فيه، وهي الأبعاد التي تبين لنا مدى حساسية هذه القضية، وحساسية الأسرار التي يكشف الفيلم عنها للجمهور، والتي يعتمد فيها على وثائق تكشف للمرة الأولى للعيان، بعضها يتمثل في مجموعة الاعترافات المذيلة بتوقيع أصحابها، بالإضافة إلى الاستعانة برأي أكاديمي يتناول نشأة التنظيم من الناحية التاريخية..
وهو بعد آخر يمكن الإشارة إلى أهمية وجوده في مثل هذه النوعية من الأفلام، لتكون المعلومة متكاملة، بحيث لا تقتصر على طرف واحد يمثل أعضاء التنظيم، لأن المشاهد عموماً يحتاج في مثل هذه القضايا إلى الاطلاع على خلفيات تاريخية خاصة بموضوع الفيلم، فيما نجد أن الجزء الثاني منه يذهب إلى حدود أبعد في هذه القضية، ليتناول شهادات مجموعة شخصيات ممن تابعوا المحاكمات، بالإضافة الى أهالي المتهمين أنفسهم، ليخرج لنا في النهاية فيلماً متكامل الأبعاد.
حيادية
صانعو الفيلم ابتعدوا عن اتباع تقنية "الديكودراما" والتي عادة ما تستخدم في الأفلام الوثائقية التاريخية، عبر اعتماد مجموعة من الممثلين لتقديم بعض المشاهد المدعمة للفيلم أو التي تعيد تصوير الحدث مجدداً، ما لعب دوراً مهماً في تعميق مصداقيته، ليبدو الفيلم حيادياً بشكل صرف، لا سيما وأنه ابتعد تماماً عن الاستعانة بأي صوت حكومي أو حتى قانوني..
وهو الصوت الذي قد يعتبر البعض أنه سيؤثر على سير الفيلم وتفاصيله، لتخصص مساحة هذا الصوت لأناس ارتبطوا بعلاقة قوية بالتنظيم، وامتدت لتشمل أفراداً من عائلات المتهمين أنفسهم، الأمر الذي منح الفيلم قوة كبيرة لا يمكن الاستهانة بها، وبالتالي يمنح المشاهد من خلالها الفرصة ليحكم بنفسه على هذه القضية، وأن يصنفها على طريقته بحيث يقرر إن كانت التهم تمس حقوق الإنسان أم أنها جنائية بحتة.
استجلاء الحقيقة
لا أنكر أن الفيلم في بعض مشاهده قد يكون صادماً للجمهور، ليس لأنه يكشف تفاصيل تتعلق بالتنظيم، وإنما لاعتماد هذا التنظيم طريقة تجنيد الأطفال ليكونوا نواة خلاياه، وتشديده على اتباع السرية في تحركاتهم وعدم البوح بأي معلومة لعائلاتهم، فمن خلال هذه المعلومة يأخذنا صناع الفيلم نحو منحى آخر يجبرنا على التفكير في علاقتنا مع أطفالنا،..
وضرورة مراقبتهم ومعرفة تحركاتهم واتصالاتهم وكذلك دائرة الأصدقاء التي يتعاملون معها، لمعرفة إذا كانوا يسيرون في طريق خاطئ أم لا، وهو ما يؤكد لنا أن الهدف من الفيلم كان استجلاء الحقيقة وليس التشهير بأحد.
لغات ثلاث
أهمية فيلم "الطريق إلى 2 يوليو" وما جاء فيه دعت المنظمة الدولية الخليجية لحقوق الإنسان إلى ترجمته إلى الإنجليزية والفرنسية والسويدية، فيما سيتم عرضه للمرة الأولى على قناة (العربية) مع نهاية الشهر الجاري، ليتم بعدها عرضه على القنوات التلفزيونية المحلية، ويجري القائمون عليه حالياً مفاوضات مع بعض القنوات الأوروبية لعرض الفيلم من خلالها.
