في كلمة لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، أول من أمس، في مرسيليا الفرنسية وصف سموه المدينة بربوة الحرية ومنارة الأشكال الفنية المعاصرة، ما أهلها لتكون عاصمة أوروبا الثقافية لسنة 2013. مبيناً سموه أن رسالة المثقفين تكمن في قيم العدالة والحرية، وعندما ينسحب الفكر المستنير يعشش محله الظلامية.
جاء ذلك في انطلاق أعمال الدورة الثالثة للمنتدى الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي يقام برعاية الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند تحت شعار "مشاركة في الرؤية والازدهار"، والذي تم اختيار إمارة الشارقة ضيف شرف فيه، وحضره رفقة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الشيخ خالد بن سلطان بن محمد القاسمي والشيخة حور بنت سلطان بن محمد القاسمي رئيس مؤسسة الشارقة للفنون.
ملتقى الثقافات
وألقى صاحب السمو حاكم الشارقة كلمة في حفل الافتتاح، قال فيها "تحية طيبة أنقلها لكم من منطقة الخليج وتحية من الشارقة لك أيتها المدينة الجميلة مرسيليا يا ملتقى الثقافات والحضارات، دعيني أرسو في مينائك الذي تغنى به شاعر البحر المرسيلي لوي بروكييه 1900 - 1976 إذ يقول:
الميناء العتيق المرصع بالنجوم يهز سواري السفن كأنه يتنفس وماؤه يداعب الرصيف..تعال ..كي تبعث فيك راحة المغامرات المالحة روح الحياة..مرسيليا ..في يوم كهذا ..يحق لنا أن نفتح دفاترك القديمة التي سطرت فيها جذور حضارتك من العلم والثقافة.. مرسيليا.. كنت تملكين نزعة علمية وتقنية فنقرأ في دفاترك عن هيئة الجراحين التي تطورت وأصبحت في سنة 1769 معهداً يضم مدرسة خاصة لجراحي البحرية التجارية ..
وفي سنة 1818م، أنشأت مدرسة للطب تضم ستة أساتذة أخصائيين .. وفي ميدان علم الفلك أقنع العالم لافال زملاءه ببناء وتجهيز محطة فلكية بملحق في معهد سان كروا .. كم سطرت أسماء علماء آخرين مثل عالم النبات شارل بلومييه 1646م - 1704 والكيميائي بارتولون.. مرسيليا .. كنت تملكين منذ وقت مبكر أكاديمياتك، أكاديمية الموسيقى وأكاديمية الآداب وأكاديمية النقش والنحت والهندسة المعمارية..
وفتحت يومها عدة قاعات للمسرح شغلتها فيما بعد أبرز الجمعيات المسرحية ومن أشهرها فرقة الستار الرمادي لصاحبها لوي دوكرو، والتي قدمت اثنتين وخمسين مسرحية بين عامي 1931 - 1934، إضافة إلى أوبرا البلدية.. ويقترن اسم مرسيليا في ميداني المسرح والسينما باسم أكبر مبدعيها وأشهرهم وهو مارسيل بانيول 1895 - 1974 الذي تغنى بمدينة مرسيليا بالصورة والصوت، وأثار العطف والضحك والسخرية، عاونه في ذلك نخبة من الممثلين..
مرسيليا ..إن ميناءك الصغير الذي كتب صفحة مجيدة في تاريخ مرسيليا بدوره الكبير في النشاط الاقتصادي في حوض البحر الأبيض المتوسط كتب في دفاترك القديمة صفحة أخرى ربما أعمق أثراً عندما أصبح معقلاً للفكر والثقافة والفن ملهماً للشعراء ..
وملتقى للفنانين والرسامين الذين أقاموا مراسمهم على أرصفة القنال ليس كيوز الفرنسي أو على أرصفة الشاطئ الجديد، حيث ألقى الفنانون على اختلاف مشاربهم مثل "النادي" للرسام مارسيل أرنو 1877 - 1956 و"الوتد" للرسام ماثيو فيرديلان 1875 - 1928.. هكذا كانت مدينتكم وأتت بعد ذلك صدمة الهزيمة".
المدينة الملاذ
وأضاف سموه: كتب أندريه دوكاس غداة الهزيمة: كفت مدينتي عن الضحك.. نعم كفت مرسيليا عن الضحك لكنها في نفس الوقت أصبحت في تلك الفترة الحالكة من تاريخ فرنسا المدينة الملجأ للكتاب والفنانين الفارين من الاحتلال الألماني وأصبح ميناؤها الميناء الوحيد الذي لا يزال مفتوحاً على طريق الحرية .
. كان للجوء المثقفين والفنانيين وعدد من المؤسسات الثقافية الباريسية إلى مرسيليا أثر مباشر على الأنشطة الثقافية بها، وأصبحت مرسيليا عاصمة فرنسا الثقافية، كما أصبحت كراسات الجنوب والتي قام بتحريكها ذلك الشاب طيلة نصف قرن 1914 - 1966 وهو جان بالار 1893 - 1973 مركز لالتقاء الفكر، وشهدت مرسيليا منذ الهدنة في الثاني والعشرين من يوليو 1940 نهضة في الحياة الثقافية وصفها بالار قائلاً مرسيليا تختمر حبلى بالشدة والأمل.
غليان ثقافي
وأوضح سموه: "هذا الغليان الثقافي وثيق الرباط بوجود اللاجئين الذين اقتلعتهم الكارثة من جذورهم وتجمعوا حول مراكز الثقافة الموجودة في مرسيليا التي أصبحت ملجأ وحمى للمثقفين الفارين من النازية والتي كانت تبدو لهم آخر ربوة للحرية على شواطئ المتوسط .. كانت الحياة الفكرية والفنية زمن الهدنة قائمة على أسس هشة كانت تمثل تحدياً لعقبات مهولة كانت طريق النجدة ملجأ في الشدة تأكيداً للفكر..
لكنها كانت لا تمثل سوى بصيصاً من النور في بحر من الظلمات، وعندما غزت في الحادي عشر من نوفمبر 1942 المصفحات الألمانية مرسيليا واضعة حداً لحرية المنطقة انطفأت الشعلة وأخذت الأنشطة الثقافية تتفكك شيئاً فشيئاً..تحولت المدارس والمعاهد والكليات إلى ثكنات للجيش الألماني فرضت رقابة شديدة على الصحافة..
وعلى كل المؤسسات الثقافية فخبا نور الفكر وأصبحت مرسيليا فضاء غير آخر أرضاً خطرة بوجود جيش وشرطة الاحتلال، وبدأ اللاجئون والأسر المهددة يهجرونها إما إلى الأرياف المجاورة أو المنفى ولم تعد مرسيليا قادرة على القيام بدورها كوكر ثقافي فخمد الفكر، وبعد التحرير انكفأت مرسيليا تضمدت جراحها واستسلمت للنور تحلم باللامركزية لتعيد إليها حرية الخلق والابداع وتدخل في نهضة حقيقية.
وفي النهضة الحقيقية دعمت مرسيليا تجهيزاتها الثقافية مكتبة مشيدة على 20 ألف متر مربع، كما تملك مرسيليا 40 فرقة مسرحية احتلت المخازن التي هجرتها التجارة لتقدم كل مساء فرجات تغطي كل أشكال التعبير المسرحي.. مدينة فنون الشارع فريدة في أوروبا مخصصة للإبداع والتعبير الثقافي..
وتبنت سياسة ثقافية تطمح إلى أن تكون خميرة للتماسك الاجتماعي، وأصبحت مرسيليا بفضل هذه السياسة في طليعة حركة تجديد الأشكال الفنية المعاصرة..سيرك وفنون الشارع وموسيقات معاصرة الفنون الرقمية والرقص والشعر فلا غرو أن تعين عاصمة أوروبا الثقافية لسنة 2013.
تواصل حضاري
وكان قد استهل الحفل بكلمة ترحيبية ألقاها ميشال فاوزيلي نائب رئيس الوزراء الفرنسي للاعانات الخارجية رحب فيها بصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي والوفد المرافق له، كما تطرق للحديث عن العلاقة التي تربط مدينة الشارقة بمدينة مرسيليا في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والتعليمية، مؤكداً ان أكثر ما يميز مرسيليا هو انفتاحها على دول البحر المتوسط والشرق الأوسط.
وقال رولاند بلوم مساعد عمدة مدينة مرسيليا في كلمة له ان مرسيليا لعبت دوراً كبيراً في خلق شبكة من التواصل بين أوروبا والدول العربية. كما ألقى جاك لونغ وزير الثقافة الفرنسي السابق رئيس معهد العالم العربي بباريس كلمة قدم من خلالها نبذة عن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي وعن إمارة الشارقة ..
وعن إنجازات سموه الثقافية وإقامته للعديد من المهرجانات التي تعنى بالكتاب والمسرح والفنون والتراث، مبدياً إعجابه بكثير من مؤلفات صاحب السمو حاكم الشارقة خصوصاً تلك التي تعنى بسيرة سموه الشخصية ..
وقام بعرض لبعض المقتطفات من تلك الكتب والمؤلفات ثم تطرق للحديث عن المجالات التعليمية والمبادرات التي تحتضنها امارة الشارقة من إقامة مدينة جامعية تشتمل على ارقى الجامعات التي تقدم أعلى مستويات من التعليم الأكاديمي الحديث وأجود مراكز الأبحاث الأكاديمية والطبية لإيمانها التام بأن التعليم والثقافة والاقتصاد كيان واحد لا يتجزأ يكمل كل واحد منهم الآخر.
اتفاقيات تعاون
على هامش أعمال المنتدى شهد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة توقيع اتفاقية تفاهم وتعاون بين غرفة تجارة وصناعة الشارقة وغرفة تجارة مرسيليا تهدف إلى تعزيز مجالات التعاون بين الطرفين وتبادل الخبرات والمعلومات التي تسهم في تطوير بيئة الأعمال بين المدينتين وزيادة حجم التعاون التجاري. كما شهد سموه توقيع اتفاقية تعاون مشترك بين الجامعة الأميركية في الشارقة وكلية كيج الفرنسية للأعمال بهدف إقامة شراكة تعليمية وعلمية في المجالات ذات الاهتمام المشترك خاصة مجالات دراسة الاقتصاد وإدارة الأعمال.
حضر حفل افتتاح ووقائع أعمال الجلسة الأولى من المنتدى الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال افريقيا محمد مير عبد الله الرئيسي سفير الدولة لدى الجمهورية الفرنسية وأحمد محمد المدفع رئيس مجلس ادارة غرفة تجارة وصناعة الشارقة وعبد الله محمد العويس رئيس دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة ومحمد علي النومان رئيس هيئة الانماء التجاري والسياحي بالشارقة وحميد ضياء جعفر رئيس شركة نفط الهلال وعدد من أعضاء مجلس ادارة غرفة الشارقة وأعضاء مجلس أمناء الجامعة الاميركية في الشارقة.
كراسات الجنوب
قال صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في ختام كلمته في افتتاح المنتدى (يخيل إلي أن المفكر جان بلارد يطل علينا من وراء "الستار الرمادي" ..
ويقول لنا ..عندما ينسحب الفكر المستنير يحل محله العنف والظللامية. نعم، إن رسالة بلارد كما جاءت في كراسات الجنوب هي دعوة للمحافظة على القيم الفكرية والروحية لمواجهة القوى الغاشمة، ولا تزال هذه هي الثقافة والمثقفين فعلى هؤلاء أن يؤدوا رسالتهم لتنوير الفكر ونشر ثقافة التآخي والتعاون، بدلاً من التباغض والتناحر).
سموه يفتتح أيام الشارقة في احتفالات مرسيليا عاصمة للثقافة الأوروبية
افتتح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، أول من أمس، في مدينة مرسيليا الفرنسية، وبحضور الشيخ خالد بن سلطان بن محمد القاسمي والشيخة حور بنت سلطان بن محمد القاسمي رئيس مؤسسة الشارقة للفنون، فعاليات أيام الشارقة الثقافية، حيث تأتي هذه المشاركة بدعوة من مدينة مرسيليا ضمن احتفالاتها بحصولها على لقب عاصمة أوروبا الثقافية لعام 2013.
حضور
حضر افتتاح الأيام محمد مير عبد الله الرئيسي سفير الدولة لدى الجمهورية الفرنسية وعبدالله بن محمد العويس رئيس دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة وجاك لانغ وزير الثقافة الفرنسي السابق رئيس معهد العالم العربي بباريس، وعلي المري مدير عام دارة الدكتور سلطان القاسمي للدراسات الخليجية وهشام المظلوم مدير إدارة الفنون بدائرة الثقافة والاعلام وعبدالعزيز المسلم مدير ادارة الشؤون الثقافية والتراث بدائرة الثقافة والإعلام وجمع غفير من المهتمين والأدباء والمفكرين وممثلي وسائل الإعلام.
منتج ثقافي
وقام صاحب السمو حاكم الشارقة والوفد المرافق له والضيوف بجولة في المعارض الفنية والتراثية والتاريخية المصاحبة لأيام الشارقة الثقافية في مرسيليا، والتي تبرز المنتج الثقافي الإماراتي..
حيث استهل سموه الجولة بتفقد معرض مقتنيات صاحب السمو حاكم الشارقة من الخرائط التاريخية النادرة التي توثق لمنطقة الخليج العربي في أزمنة متقدمة، فللخرائط أهمية جمالية مهمة إضافة لأهميتها التاريخية والجغرافية ولقد تطور فن رسم الخرائط بالتركيز على الأساليب الفنية المختلفة والخلفيات التزينية التي اتبعت في رسمها.
ومن خلال هذه المجموعة المنتقاة من مقتنيات حاكم الشارقة يمكننا أن نلاحظ إضافة للدلالات التاريخية والجغرافية اللمسات الفنية، التي أضافتها أيدي من أبدعوا في رسمها مما يكسبها أهمية جمالية تضاف لأهميتها التاريخية.
مكانة فنون
كما تفقد سموه معرض الفنون الذي اشتمل على نماذج من أعمال أربعة من الفنانين من أبناء الدولة من الجنسين، تظهر مواكبة أبناء الدولة لكل الحركات الفنية المعاصرة، كما تؤكد المكانة المرموقة التي وصلوا إليها في خارطة الفن التشكيلي في العالم عن دراية واستحقاق. واشتمل المعرض الفني أيضاً على لوحات خطية وزخرفية أبدعها خطاطون إماراتيون وعرب، إلى جانب تقديم عرض حي لفن الخط العربي من قبل الفنان الإماراتي خالد الجلاف.
معرض تراثي
تضمنت أيام الشارقة الثقافية في مرسيليا معرضاً تراثياً لعدة أنواع من السفن البحرية، التي تعكس ملامح من البيئة البحرية لدولة الإمارات فيما قدمت فرقة الشارقة للتراث الفني عدداً من الوصلات الغنائية الفنية من الموروث الشعبي. وضمت الأيام كذلك معرضا خاصا بمؤلفات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة التاريخية والأدبية، والتي ترجمت إلى العديد من اللغات.



