علمتني الحياة في كل دروسها ومواقفها وخبراتها أن الفنون بحرٌ متلاطم الأمواج لا قرار له ولا شواطئ ولا حدود. وأن الإبداع كائن شديد الكبرياء لا يُظهر نفسه أو أسراره إلا لمن يطلق لخياله العنان ويعتق أفكاره من عبودية القالب مسبق الصنع والأحكام المتكلّسة والأساطير التي أراد صانعوها تكبيل العقل وتعطيل طاقة الذهن وتوجيهها نحو ظلام المحدودية.
تعلّمت منذ صغري أن الفضاء صديق حميم للإبداع، وأن عبقرية الفنان تكمن في تتلمذه على يد أوراق الوردة وشوكها وعبيرها وطنين النحلة الباحث عن الرحيق، الفنان لديه قدرة تفوق البشر على التقاط القيمة الفنية والمعاني الإنسانية والفكرة الإبداعية من أي لمحة أو لفتة أو موقف عابر.
من الأفكار المعيقة لنمو الفكر وسمو الروح هو تقسيم الحكمة وتمزيق الثوب الفني الملوّن بتهمة تعدّد ألوانه وتنوّع تصميماته، من الطبيعي تباين الأذواق بين البشر حتى بين أبناء البيئة والتفكير الواحد لكن الأفق الفني الواسع مسألة أخرى تماماً. فالفن هو الفن في كل بقاع الأرض والفكر الإبداعي هو ذاته مهما اختلفت منابعه وأساليبه والمدارس التي تعلّمه.
هناك من يهوى الفنون الإبداعية المنتمية لحضارةٍ ما لأسباب مختلفة وهذا حق مشروع، لكن من غير المقبول استبعاد النتاجات الإبداعية لحضاراتٍ عريقة أخرى لها تاريخها الطويل وقيمتها وتأثيرها الإنساني الكبير بحجة أنهم ينحازون للفنون والإبداعات التي نشأوا عليها وترعرعوا بقربها ومارسوها صغاراً إلى أن اشتد عودهم. هذا الانحياز مفهوم وطبيعي لكنه يحمل قدراً لا يستهان به من الضرر.. إنه ضرر المحدودية وضيق الأفق.
"عندما أردنا الصلاة توجهنا نحو مكة، وعندما أردنا بناء بلادنا توجهنا نحو اليابان" هذه العبارة تعكس فكراً عبقرياً عالياً من شخص استطاع النهوض ببلده وجعله "نموذجاً في التنمية"، كلنا نعرف مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق. وأغلبنا قرأ قصة نجاحه واستشف منها خبايا فكره ومرتكزات رؤيته للمستقبل. كان باحثاً عن الحكمة حسب طبيعة الحكمة المطلوبة لاستخدامها في المجال المناسب لها. لقد كان يعلم بوجود آلاف المصادر للحضارات الآسيوية القديمة لكنه لم يبحث عن الحلول حسب انتماءاتها بل حسب نتائجها وفاعليتها في تحقيق الأهداف المنشودة.
الإبداع لا وطن له والعبقرية تتجوّل في قارات العالم منذ آلاف السنين دون أن تستوطن أرضاً معينة لكنها كانت تلقي بعض بذورها هنا وترمي بذوراً مختلفة هناك، وكذلك الفنون لا تتفاضل بحسب الحضارة الحاضنة لها لأنها تنتمي بكليّتها للإنسان في كل أرض وزمان.
فلاش:
كن دائم البحث في ذاتك عن العبقرية، فهي في الداخل وليست في مكانٍ آخر.
