سألني طفل موهوب في الرسم خلال زيارتي لإحدى المدارس الابتدائية "هل علبة الألوان التي نلوّن بها تحوي كل ألوان العالم أم أن هناك ألواناً أخرى؟" كان جوابي له كالتالي: علبة الألوان التي لديك تحوي ألواناً كثيرة لكن العالم دوماً لديه ألوان أكثر من تلك التي نعرفها ونستخدمها في حياتنا اليومية.
قد تتفقون أو تختلفون معي في الرأي لكن رؤيتي للجواب كانت بهدف منع أية قيود أو أطر من تحجيم خيال هذا الطفل وتصوّره الذهني للألوان. أنا أعتقد أن الفنون الإبداعية بشكلٍ عام تتعارض جذرياً مع الحدود والمحدودية والقوانين الجامدة المتحجرة.
الإبداع كالمحيط المترامي الأطراف فوجود بعض الشواطئ فيه هنا أو هناك لا يعني أنه انتهى حتى لو تغيّر اسمه على الخارطة إلا أن جوهره وفلسفته هي الأفق الواسع الذي يستحيل الإمساك به. الإبداع صفة اختص بها الخالق العظيم عباده واختار لهم أن يعيشوا على سطح كوكبٍ يضج بالجمال والسحر والفرادة والغموض وكل العناصر التي تخلق للإنسان المناخ الملائم للابتكار واكتشاف الجديد واليقين بأن رحلة البحث عن أسرار الكون المدهشة رحلة لا تعرف خط النهاية.
المبدعون الحقيقيون يدركون أن الإبداع لا أرض له ولا سماء ولا قوانين تحكمه أو صفات تقيّده، كما أن التفاضل في هذا المجال مفتوح على مصراعيه وكل قيمة يضيفها أي مبدع في أي بقعة من بقاع الأرض لها وزنها وأهميتها.
بعض من يدّعون الانتماء للفضاءات الفنية والثقافية يكشفون للعالم جهلهم من خلال تعبيرهم عن محدودية فكرهم وضيق أفقهم بتفضيل بعض المدارس الفنية والأعمال الإبداعية على أخرى بناءً على معايير مرفوضة من كل الشرائع الفنية والإبداعية! فهذا يرى أن الفنون الكلاسيكية هي الأصل وبالتالي كل ما عداها نسخ غير أصلية! وذاك يلغي من الخارطة الفنية قارة بأكملها واصفاً الفن وأهله فيها بـ"فنون الشارع الفقير"! ويأتي متثقّف آخر ليعلن انحيازه الكامل لعصورٍ فنيةٍ سابقة ورفضه الشامل والكامل لأي فنونٍ معاصرة!
الفنون البشرية هي مزيج سحريّ ثريّ بمكوّناته المدهشة التي تنتمي لكل قارات العالم والتي تراكمت عبر آلاف السنين لتزيد ذلك المزيج عبقاً وإبهاراً وتنوّعاً وترتقي بفكر الإنسان وتسمو بروحه وتغذي عقله الذي يوقن دوماً بوجود ألوانٍ جديدة جديرة بالاكتشاف.
بعد رحلة ناجحة إلى ماليزيا نحن اليوم في ألمانيا وتحديداً في هامبورغ للمشاركة في المهرجان العربي الأوروبي العاشر للصور الفوتوغرافية والمؤتمر الدولي الرابع للتصوير الذي ينظمه اتحاد المصورين العرب بأوروبا تحت شعار "الحوار من خلال الفنون".
فلاش:
كلما شعرت بجدرانٍ في عقلك.. اهدمها كي يبقى أفقك واسعاً.
