على زاوية تقاطع لأربعة شوارع هادئة في بلدة بادنيهايم القريبة من فرانكفورت ثمة تمثال رأسي باللون الأبيض على قاعدة حجرية سوداء تحيط به زهور بعضها ذابل وبعضها نضر يضعها عشاق ملك الروك اندرول ألفيس بريسلي، الذي أمضى عامين في ألمانيا (1958 ـ 1960) حيث كان جندياً في جيش الولايات المتحدة إبان الحرب الباردة.
حرب الكلمات
ألفيس انضم إلى آلاف الجنود والدبابات الأميركية قبالة الآلاف من الدبابات الروسية في فجوة فولدا الشهيرة؛ وهو الممر الفاصل بين السلاسل الجبلية على الحدود بين ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، لأن الاستراتيجيين الأميركيين كانوا يتوقعون من الجيش الأحمر السوفييتي المرور من تلك الفجوة للسيطرة على فرانكفورت العاصمة المالية لألمانيا الغربية وبالتالي على كل أوربا الغربية.
في خلال تلك السنوات العصيبة ألمح قادة ألمانيا الشرقية أن وجود الفيس بريسلي فوق الأراضي الألمانية يعد بمثابة تهديد قوي للبلاد وخطورته تكمن بإغوائه لشبابنا (شباب ألمانيا الشرقية)، حيث كان يغني في حفلات للجنود، كما صرح زعيم الحزب الشيوعي (آنذاك) والتر أولبرشت في أحد المؤتمرات الثقافية للحزب قائلا: لا يكفي أن نرفض الانحطاط الرأسمالي فقط بالكلمات، بل علينا أن نقدم أفضل شيء حتى على مستوى الغناء ضد ما يمثله ذلك المنتشي الذي يدعونه بريسلي.
تغيير مفاهيم
الهجوم الألماني الشرقي على بريسلي جاء بعد أن شهدت قاعات الرقص هناك دعوة صريحة من الشباب إلى ممارسة رقصة الروك أند رول التي قلبت مفاهيم الرقص الألماني رأسا على عقب والتي سبق وتوارثها الآباء عن الأجداد ما حدا بالسلطات المحلية إلى منع تلك الرقصات في كافة المراقص والنوادي، لكنهم سرعان ما واجهوا غضباً شديداً من الشباب المراهقين الذين ساروا وسط مدينة لايبزيغ وهم يهتفون بأعلى أصواتهم (يحيا بريسلي.. يحيا بريسلي)، بينما هتف آخرون: يحيا والتر، في إشارة إلى رئيس الحزب الشيوعي الألماني، فقد كان ألفيس في نظرهم لا يختلف في تهديده عن تهديد المؤسسة الأميركية بل قد يكون أخطر بتأثيره المباشر على الشباب خاصة.
الألمان ما زالوا حتى اليوم وبعد 37 عاماً على رحيل «الملك» يتوافدون إلى بلدة بادنيهايم القريبة من فرانكفورت يجددون ذكراه عبر الزهور و الشموع الصور التذكارية، فقد كان ملهماً لأجيال وأجيال وعبرت أغنياته عن تطلعاتهم الوجدانية وتوقهم للحب والسلام.
الفنان الجندي
شكل ملك الروك وحده قوة خاصة وجهت ضد الألمان الشرقيين، هذا ما كتبه الكاتب الأميركي وأستاذ التاريخ جون وينر في كتاب حمل عنوان "كيف ننسى الحرب الباردة"، وقد أفرد فصلا كاملا عن الفيس بريسلي والذي عرف بملك الروك أند رول وهو الأكثر شهرة في أميركا والعالم، حيث أنتجت له هوليوود 33 فيلما غنائيا راقصا في خمسينات القرن الماضي، وخلال الأعوام 1958 - 1960 سيق للخدمة العسكرية في ألمانيا في وحدة للدبابات الأميركية العاملة هناك خلال أزمة برلين الشهيرة، ما جعل القيادة العسكرية تغتنم فرصتها باستغلال شهرته في الحرب الباردة التي بدأت تلوح بين المعسكرين الغربي والشرقي الدائرة هناك وذلك بإفساح المجال له بإحياء حفلات راقصة للجنود الأميركان، وتم نقل تلك الحفلات مباشرة عن طريق الراديو الموجه للقسم الشرقي من ألمانيا.
