لا يختلف إثنان على أن الألوان تمثل قيمة في حضارات الشعوب، كونها ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالعلوم الطبيعية والظواهر الكونية وعلم النفس والثقافة والأدب والأسطورة، ومع تقدم العلم نجد كثيراً من المؤسسات قد أولتها أهمية كبيرة لتحقيق أهدافها، فنجد وسائل الإعلام وظفتها في نقل رسالتها إلى المتلقين، كما أن الشركات المتخصصة في مجال الأغذية استعانت بها لجذب المستهلكين، وأكد علماء النفس أن للألوان ثأثيراً في النفس البشرية ومن خلالها يسهل عليهم الغوص في أعماقها من أجل تحليلها وتشخيصها.
ثقافات اللون
اعتُبر اللون جزءاً مهماً في الحضارات الإنسانية، ففي الحضارة الفرعونية، نجد أن المصريين استخدموا ألواناً عدة في صناعاتهم ومنحوتاتهم وتماثيلهم التي كانت تحمل معاني رمزية، حيث نجد أن اللون الأزرق ارتبط بالماء والنيل، واللون الأخضر بالزراعة، والأصفر بالشمس، والأحمر والبرتقالي بالطاقة والدم.
وفي الحضارة الهندية نجد أن اللون الأحمر يعني الطبقة الارستقراطية وفي اليابان يستخدمونه لطرد الكوابيس، واللون الأصفر يعبر عند الصينيين عن القداسة والأبيض يرمز إلى الأطفال بينما في الغرب يرمز الأبيض إلى النصر والسلام، واللون البنفسجي إلى المال والثراء عند الصينيين بينما نجده في الغرب يرمز إلى التباهي والتفاخر، وكل هذه الرموز والمدلولات كانت نتيجة طبيعية للبيئة الجغرافية التي تمتعت بها تلك الحضارات، بالإضافة إلى التبادل التجاري الذي كان بين شعوب تلك الحضارات نتج عنه احتكاك ثقافي أثّر في علومهم وثقافتهم.
في الشعر العربي
للون أبعاده ودلالته في الشعر ولذلك أولى الشعراء له مكانة في الكثير من القصائد التي تصف الخير والشر والحزن والفرح الرفيع والوضيع والإقدام والجُبْن والعز والذل واختلفوا من حيث دلالتها وترميزها.
فنجد عمرو بن كلثوم يرمز إلى الظمأ والتعطش لدماء الأعداء باللون الأبيض، ويرمز إلى الارتواء والنيل من الأعداء باللون الأحمر فيقول في معلقته الشهيرة بعدما قتل عمرو بن هند:
أَبَا هِنْـدٍ فَلاَ تَعْجَـلْ عَلَيْنَـا
وَأَنْظِـرْنَا نُخَبِّـرْكَ اليَقِيْنَــا
بِأَنَّا نُـوْرِدُ الـرَّايَاتِ بِيْضـاً
وَنُصْـدِرُهُنَّ حُمْراً قَدْ رُوِيْنَـا
ونجد حسان بن ثابت - رضي الله عنه - في لاميته الشهيرة يرمز إلى الكرم والسيادة باللون الأبيض عندما مدح الغساسنة قبل الإسلام فقال:
بِيضُ الوُجُوهِ، كريمَةٌ أحسابُهُمْ
شُمُّ الأنوفِ، من الطّرَازِ الأوّلِ
ويرمز صفي الدين الحلي إلى صنائع الخير باللون الأبيض، ويرمز الى القوة وشدة البأس وقهر الأعداء باللون الأسود، وإلى الخصب والخير باللون الأخضر، والى السيوف التي ارتوت من دماء الأعداء باللون الأحمر، فيقول:
بِيضٌ صَنائِعُنا، سودٌ وقائِعُنا
خُضرٌ مَرابعُنا، حُمرٌ مَواضِينا
الرمزية اللونية
تشير الرموز اللونية إلى استخدام الألوان بوصفها رمزاً في جميع الثقافات، كما تشير إلى تأثير اللون على المشاعر والسلوك البشري. العلاج بالألوان
جاء في كتاب "القانون" لابن سينا إشارة إلى تأثير الألوان الرئيسية على الفرد، فوجد أن الأحمر على سبيل المثال يثير الدم بينما الأزرق يهدئه وقد نشأت في العديد من المؤسسات ومراكز البحوث والتدريب والعلاج في الغرب عيادات متخصصة في العلاج بالألوان، رغم أنه كان معروفا من عصور سحيقة لدى الحضارات القديمة لاسيما في الشرق الأقصى(الهند والصين) والشرق الأوسط ( بلاد الرافدين ومصر واليونان).
