منذ سنوات عدة وأنا أقضي معظم أوقات عملي وفراغي، سواء داخل دولة الإمارات العربية المتحدة أو خارجها، في دوائر اجتماعيةٍ مكتظة بالمبدعين في جميع حدائق وحقول الإبداع الإنسانيّ المختلفة. كلٌ منهم له همّه وعالمه الخاص، وتجاربه الثريّة وأعماله الإبداعية، التي تختزل شخصيته الفنية وآراءه الخاصة وطريقة تعبيره عن نفسه وعن علاقته بالعالم ومن فيه.

إلا أن ما يلفت النظر في السلوكيات التي لاحظتها عليهم خلال مرحلةٍ من الزمن، هو تباين علاقتهم الاجتماعية مع الآخرين من حيث النفعية الإبداعية من عدمها. فهناك منهم عقليات تؤمن بأهمية المشاركة الإبداعية المنتجة مع دوائر المعارف المختلفة وصولاً للمجتمع، بينما تعتنق الفئة الأخرى الإبداع المنغلق على الذات، المُحاط بأسوارٍ منيعة ضد المتلصصين والفضوليين حتى من المقرّبين!

سأتحدّث عن فئة من المبدعين يقدّسون جمهورهم ومعجبيهم ويتفاعلون معهم بشكلٍ كبير، بينما أقرب الناس منهم في معزلٍ عن إبداعاتهم بطريقةٍ غريبةٍ ومستهجنة! حدّثتني إحداهن عن كاتبٍ معروف من عائلتها وتباهت به وبأعماله وبانتمائها لعائلته نفسها، كما أنها تملك موهبة أدبية لافتة في كتابة الشعر والقصص القصيرة! وعندما سألتها عن رأي الكاتب المعروف في قلمها، تجهّم وجهها وسيطرت عليه سحابات الكآبة والحزن دون أن تبوح صاحبته بأية كلمة! ومع إصراري على معرفة الجواب، أخبرتني أنه لم يهتم بموهبتها الأدبية نهائياً ورفض حتى إبداء رأيه في نتاج قلمها!

بينما مصوّر آخر من بلدٍ عربيّ آخر، قام بتعليم جميع أفراد أسرته التصوير، ويقوم بتدريبهم ومتابعتهم حتى أن أحد أبنائه برزت موهبته اللافتة وكانت سبباً في حصوله على لقب إحدى مسابقات التصوير على مستوى المدارس! كما أنه قام بورشٍ تدريبية عدة في التصوير الضوئي لكبار السن من عائلته خلال إحدى الإجازات، وكان أثر ذلك كبيراً لديهم، إذ كانت تلك من أكثر الإجازات متعة لهم وعادوا منها بذخيرةٍ فنيةٍ كبرى من الصور التي صوّروها بأنفسهم!

لا أعلم إن كنتم توافقونني الرأي أم لا، لكنني أعتقد أن المبدع الأنانيّ والذي لديه مشكلة كبيرة في العطاء الفني والمعرفي لأقرب الناس له، لا تتكامل لديه مواصفات الفنّان المبدع! أي أني أعتبره خارج دائرة المبدعين، والتي يؤمن جميع أفرادها بالعطاء للمجتمع الصغير أولاً الذي يحتضن المبدع ويوفّر له الأجواء المناسبة لتقديم أفضل ما لديه من إبداعاتٍ فنية، ثم المجتمع الكبير الذي ينتمي إليه والذي يقدّمه للجمهور والنقّاد ووسائل الإعلام وفضاءات التطوّر والتقدّم المتنوّعة.

مشاركة الموهبة والإبداع مع الآخرين، خصوصاً من المقرّبين، تعزّز السلام الداخلي وتقلّل من التوتر وتنقّي الروح من شوائبها، وتقوي ضخ الدم في شرايين الدورة الإبداعية، لذا أنصحكم جميعاً بها.

فلاش:

الإبداع والأنانية.. خطان متوازيان لا يلتقيان!

 

سحر الزارعي

الأمين العام المساعد للجائزة

@SaharAlzarei