في قديم العهد عند العرب، كانت الكلمة هي النافذة الأدبية الحسية على أغلب الصور الجَمَالية السابحة في بدائع البلاغة وفنون الوصف. كانت اللغة تحمل في طيّاتها آلاف الصور المُسترجعة من خزائن الذاكرة ومعاصرة الواقع واستحضار الآتي. اشتهر العرب منذ القدم بالبراعة في اللغويات، وفي تصوير الأحداث المحيطة بهم والمشاعر المتباينة التي تعصف بهم، عبر القصيدة والقصة والمقالة وغيرها من القوالب اللغوية الثريّة.

ومع تسارع الزمن وتغيّر المعطيات وثورة الاتصالات والتكنولوجيا والفضاءات الاجتماعية الجديدة التي طافت حولنا لسنوات، ثم حاصرتنا من كل الزوايا حتى باتت خطراً على واقعنا الاجتماعي الحقيقي، تعاظم دور الصورة بتسارعٍ واضح في الحصول على الانتباه والقدرة على لفت النظر والنجاح في إيصال المعنى، والدخول في منافسةٍ شرسة مع الكلمة المجرّدة في الحصول على شعبيةٍ وجماهيريةٍ أكثر.

منذ برهةٍ من الزمن وبعض الشعراء يزيّنون بديع شعرهم وغوالي تعابيرهم بصورٍ إيحائية منتقاة، تعبّر عن المكنون الخاص لنصوصهم الأدبية، بحيث تتم مواءمة روح النص مع ألوان الصورة وتصميمها وفكرتها العامة، كما انتشر ذلك أيضاً بين الكتاب على تنوّع مشاربهم ونتاجهم المكتوب، حيث باتوا يعتمدون بشكلٍ كبير على إقحام الصورة بشكلٍ أو بآخر لترويج نصوصهم وزيادة جاذبيتها ولفتها للنظر.

بدأنا نلاحظ انتشاراً عجيباً لما يُعرف بـ"التعبير البصري"، الذي يتقمّص دور الدبلوماسي الناجح في إيصال أي فكرة أو معنى أو نتاجٍ إبداعي معين بشكلٍ أكثر تأثيراً وحضوراً وثباتاً في الذاكرة.

عادت القصص المصوّرة بأساليب عصرية تغزو مطالعاتنا، في ظلّ تسرّبٍ مريب لبعض شظايا الملل التي تلسع قريحتنا لدى جلوسنا في حضرة كتابٍ غنيّ بجواهر الكلمات التي لا تتخلّلها الصور! هل لهذا علاقة بزمن السرعة الذي يميل لصالح الصورة التي توصل المعنى بزمنٍ أسرع من الكلمة؟ ربما! أم أن هذا يرجع للضمور العقلي حيث الفكر مُتعبٌ من الغوص في المعاني البلاغية لذا يرمي نفسه في حضن المعاني المباشرة للصورة؟!

أكاد أسمع صوت طبول الحرب المتأجّجة بين الكلمة والصورة بشكلٍ يومي وفي عدة مجالاتٍ وحقول! بعض العلماء فسّر ذلك بطبيعة الحواس البشرية وميلانها لالتقاط المعنى البصري، كونه أسهل وأسرع من المعنى المكتوب وأكثر جاذبية أيضاً! انتشار التعبير عن الحالة أو الشعور بالصورة، سواء أكانت صورة بشرية أم مرسومة أم متحركة أم ناطقة، يتسارع بشكلٍ لا يتصوّره عقل!

كنتُ شاهدة على حديث دار عبر الفيسبوك بين صديقتين واستمر لأكثر من 20 دقيقة، ولم تُستخدم فيه أي كلمة! الحديث كان عبر الصور فقط؛ رسومات كارتونية وشخصيات طفولية وكوميدية ولقطات تعبيرية دقيقة! هل سنعيش يوماً نتعارف فيه من خلال صورنا بدلاً من أسمائنا؟!

فلاش:

تبقى للكلمة قدسيتها في كل الأزمان.. لكن مقام الصورة في ارتقاءٍ لا ينتهي!