لم يتبق سوى بضع ساعات على الإفطار، وبدأت الفتيات بالعمل بوتيرة أسرع كخلية للنحل. أما أنا فجلست أراقبهن، فقد منعت من المشاركة بالعمل لأنني ضيفة، ووقفت "نائلة" بجانبي تتحدث لي عن تاريخ تونس وتروي لي قصصا عن بلادها وأهلها.

اليوم سيكون فطوري بنكهة جديدة، وهنا لا أعني المطبخ التونسي، بل أعني العائلة المميزة التي سأفطر معها. 

عادة يرتبط شهر  رمضان في مخيلتنا بصور الصلاة والعبادة والروحانيات، والتراحم الأسري والتلاحم في المجتمع، والموائد العامرة بأصناف الطعام والشراب المختلفة، وهذه الأمور تعطي رمضان سحرا يكاد أن يكون ملموسا في بيوت المسلمين أينما تواجدوا. لكن مئات الآلاف من سكان مدية دبي، ذات التنوع السكاني الكبير، لن يقضوا رمضان مع عائلاتهم وأصدقائهم، فقد تركوهم وسافروا إلى دبي ليعيشوا مع غيرهم من المغتربين تجربة رمضان بعيداً عن العائلة والتقاليد المرتبطة بأرض الوطن. الفتيات اللاتي قصدتهن اليوم هن من تلك الفئة. فكل واحدة منهن قدمت من مدينة في تونس للعمل في دبي، وشاءت الأقدار أن تجمعهن ببعضهن ليصبحن كالعائلة في الترابط والحنان.

جلست استمع لهن وهنّ يتحدثن عن الفرق بين رمضان في الغربة ورمضان في الوطن ، قالت لي "عربية" من تونس العاصمة "لا شيء يضاهي رمضان في تونس، فجو  الأسرة الحميم، وساعات العمل لإعداد الفطور مع أمي وأخواتي، وصلاة التراويح، والاجتماع للسمر مع الأقارب كلها أمور لا تقدر  بثمن، حتى الشوارع يغدو  لها سحر خاص، ولولا اجتماعي مع زميلاتي في السكن لكان جو  رمضان صعبا علي في الغربة".

وتشابهت آراء الجنسيات المختلفة حول الفرق بين رمضان في دبي وفي أوطانهن، فهاهي "أمينة" من المغرب، والتي انتقلت لدبي منذ أقل من سنة، لم تتمكن من تماسك نفسها وهي تحدثني عن رمضان مع عائلتها في المغرب، بدأت دموعها تتساقط شوقا لبلادها وهي تقول "للفطور لدينا في المغرب طقس مميز، وأهم شيء هو الطبخ المغربي مثل الحريرة المغربية والشباكية والتمور. أما الآن أفطر  فطورا سريعا حسب المتوفر  فليس لدي الوقت للطبخ... الغربة صعبة".

وتقول اللبنانية "ساجدة" "من عادات لبنان الرمضانية التي أفتقدها هي الاستيقاظ على صوت المسحراتي، والفطور بعد سماع صوت المدفع، وشراء شراب السوس من السواس وغيرها، لكن على الرغم من صعوبة الغربة خصوصا في رمضان، هناك ميزة هي أن دبي تعرفنا على أشخاص وعادات جديدة جميلة، ففي بلادنا لا نعرف سوا عاداتنا، لكن دبي تتيح الفرصة للتقارب ما بين العادات في هذا الشهر، وفكرة أننا متشاركون بهذه الغربة مع الكثير تجعل الغربة أسهل".

وتضيف "ساجدة"، " شريكتي في السكن ليست مسلمة لكنها تعد الفطور لي، فأعود من العمل لأجدها بانتظاري مع المائدة، وهذا من أجمل مشاعر التآلف التي شعرت بها."

أما "فاطمة" من الفلبين، والتي دخلت الدين الإسلامي منذ بضع سنوات فقط، تقول "قررت أن أدخل الدين الإسلامي بنفسي على الرغم من أن عائلتي لم يكونوا من المسلمين. وحاليا أعيش مع أقاربي الذين يحترمون ديانتي على الرغم من أنهم لم يدخلوا فيها، ويعدون لي الإفطار ويشاركونني في الأكل عندما أعود من العمل. لا أعرف كيف هو جو  رمضان في الفلبين لأنني لم أقضي رمضان هناك من قبل، لكنني أحس بجو من الراحة والسعادة في هذا الشهر  وأشعر  بأن جميع المسلمين والمسلمات هم إخوتي وأخواتي. " 

بالإضافة لـ"حنين" السعودية، التي قالت "انتقلت لدبي منذ ستة أشهر للعمل، وأعيش حاليا لوحدي. أفتقد كثيرا لجمعة العائلة ولطبخ أمي ولعاداتنا الرمضانية في السعودية. الآن أيامي في رمضان مقسمة ما بين الذهاب للدوام والعودة للنوم ثم الاستيقاظ لطبخ شيء سريعا. اختلف جو  رمضان كثيرا بعد عيشي وحيدة في دبي". 

"إسراء" من سوريا طالبة جامعية تسكن في السكن الجامعي، تحدثت عن رمضانها في دبي قائلة " هذه أول مرة أقضي رمضان بعيدا عن عائلتي، عادة أستيقظ على رائحة الطعام الذي تعده أمي، وكانت مسؤوليتي صنع الحلويات، وبعد الإفطار  كنا نزور  الأقارب لنسهر معهم حتى وقت السحور. لكن الآن اختلف الوضع، لكن الحمد لله لدي أصدقاء وأقارب في دبي، فأفطر  مرات في المطاعم والخيام الرمضانية مع أصدقائي، أو أزور أقاربي على الفطور وأسهر معهم. أشتاق لأهلي، لكن جو رمضان الجميل يفرض نفسه في أي مكان".

وفي العودة إلى بيت الفتيات، لم يبق سوى دقائق على وقت الأذان، وقد اعتمرت الطاولة بمختلف أصناف الطعام من كل قطر عربي ، فكل فتاة أعدت طبقا من منطقتها وجلست تحدثني عن التقاليد الرمضانية لمدينتها، فعلا، هذه العائلة مثال رائع لعائلة من دبي، فجمال دبي يكمن في أنها  تجمع الناس على مختلف أصولهم وعاداتهم، وتضعهم سويا في مجتمع منفتح ويتقبل الآخر، لنرى أجمل وأغرب الأمثلة للعوائل في دانة الدنيا.