حبيبتنا مريم، علمنا أنكِ مصابة بمرض السرطان، وأنكِ الآن بعمر 4 سنوات و6 أشهر. وصلتنا ملامحكِ الجميلة عبر صورة فوتوغرافية التقطها المصور الفوتوغرافي السعودي عبد الجليل الناصر، تقفين وخلفك البحر الأزرق الذي انتشى نوره منكِ، وبه أصبحنا نرى وجنتيك السمراوين، أكثر شحوباً، وأقرب وقعاً على القلب.
صغيرتي، هل يمكننا سؤالك عن تلك الحقيبة التي في الصورة، هل هي للمدرسة؟ أم فيها تخبئين أحلامكِ الكبيرة؟ طبيبة أم معلمة أم مهندسة، إلى ماذا تطمحين؟ أخبرينا أيضاً عن سر الصورة المرسومة على حقيبتك، من أختارها أنتِ أم والداكِ، هيا، ما زلنا ننتظر الإجابة.. لماذا الهدوء؟ لا مجال للخجل.. في الحقيقة أعجبنا قميصك الأزرق، وتداخل الزهري في حذائك الطفولي الرقيق، وتلك الجوارب البيضاء.. أنت أجمل مثلما أنتِ.
لغة بانورامية
أنها ليست الرسالة الأولى للمصور عبد الجليل الناصر في تجسيد القضايا الإنسانية عبر فن التصوير، وتحديداً المشروع الفوتوغرافي لمرضى السرطان، الذي أرسى قواعده مسبقاً عبر معرضه الأول لأشخاص تعافوا من عبث الخلايا الحيّة، وعشوائية كتل مسرطنة تهدد أجساد من تستوطنه بالموت، في ظل جهلهم بأنهم ضحايا تسرب مدسوس يسمى بـ (الخبيث).
ويأتي استكمال المشروع أخيراً في تصوير الناصر لأطفال ويافعين مصابين بالمرض، مستخدماً الفنية القريبة من حس (البورتريه) واللمحة التوثيقية، عمد الناصر إلى تثبيت خلفية البحر، وجعله تكويناً أساسياً في إطار الصورة، وجاءت الإضاءة عبر اللغة البانورامية في نسج حوار سرمدي بين مكنون المصاب بالمرض ومتلقي الصورة.
إسقاط الإضاءة
لا نحتاج أحياناً لتفسيرات المصور، في أبعاد اختياراته الطبيعة عنواناً يوازي تحديات مرض السرطان، الذي أصبح مراوغة في الصياغة الصحية، يكشفها البعض بمحض صدفة أو في كشف دوري، ويشعر بها آخرون من خلال لحظات ألم غريبة جديدة أو ربما عفوية.
يظهر في المشروع فن إسقاط الإضاءة في الصورة وبؤرة التركيز في ملامح وجه المصاب، الذي ساهم في إعطاء جملة من المعرفة البسيطة من خلال تفاصيل وجوه الأطفال المصابين.
الطفلة مريم ذات الـ 4 سنوات، لم تكن الوحيدة في مجموعة الصور، فهناك ما يقارب 9 أولاد بين عمر 7 سنوات إلى 16 سنة. ويستحيل أن تستطيع الكشف عن إصابتهم بالسرطان، إلا إذا قرروا البوح بأنفسهم، جاءت صورهم الفوتوغرافية، إعلاناً للحياة وصموداً فنياً.

