توفي أحد أهم رموز السينما وأكثرهم إثارة للجدل، الياباني ناغيزا أوشيما، أبرز المخرجين المجددين في ما يُعرف أحياناً بالموجة اليابانية الحديثة في الستينات والسبعينات.
أوشيما الذي توفي عن 80 عاماً سيبقى معروفاً في ذاكرة السينما بصفته رمزاً للحيوية والشباب، إذ كانت السينما بالنسبة له أشبه بنشاط ثوري، فمواضيع أفلامه غالباً ما كانت تدور حول حالة التشظي وفقدان الهوية التي كان يعيشها جيل الشباب الذي نشأ بعد الحرب بكل ما أحدثته من تأثيرات سياسية واجتماعية واقتصادية في الثقافة اليابانية، ومسار الأحداث غالباً ما يتخذ منحى تخريبيّا، في محاولة للتمرّد على سلطة المادية الحديثة، بشكل يجعل فعل التمرّد بحد ذاته هدفاً.
نزعة إنسانية
لم يكن أوشيما يستقر على نمط معين يُعرف به، لكنه بالتأكيد لم يلتزم بالطابع الكلاسيكي ، فبدءاً من أفلامه في مطلع الستينيات، وعلى رأسها أشهر أفلامه المبكرة Naked Youth 1960)، لم يكن أوشيما يحاول الحفاظ على القيم اليابانية بالعودة للتراث والاحتفاء بالعادات الأصيلة، بقدر ما كان ينقل الواقع المتغرّب عن تلك القيم، ولم تعد هناك النزعة اليابانية بالاحتفاء بالعائلة وتماسكها كمقياس أخلاقي لمآل الشخصيات، بل أصبح التركيز يتكثف على الفردانية والنزعة للاستقلال بصفتها محرراً لشخصيات الفيلم.
تجريب
الحدة ازدادت في أواخر الستينيات، خصوصاً المحتوى السياسي لأفلامه، والذي كان يلجأ للتجريبية أحياناً كما هو في فيلمه الطموح Double Suicide (1967) ، والذي يجمع فيه عدداً كبيراً من الشخصيات، ما بين مراهقين ورجال أعمال وجنود ومجرمي حرب في مواجهة مأزق يتسبب به أميركي مختل يخل بالأمن في البلد.
هذا الفيلم قد يحوي عينة من كل الشخصيات التي تتكرر في أفلام أوشيما بطريقة أو أخرى.
معظم أبطال أفلامه هم من المجرمين والمهووسين جنسياً والمنبوذين الذين لا يخضعون لمقاييس الخير والشر حسب مقاييس المجتمع المحيط بهم، وهو في طريقه للبحث عن تمرّده يصدم المشاهد ويتحداه ويقنعه بمدى صدقه وهو يفعل كل هذا.
وليس من المستغرب بعد هذا أن يصرّح أوشيما بسخطه اتجاه السينما اليابانية بكل أشكالها، معلناً كرهه لتاريخها العريق دون استثناء، هكذا تأتي محاولاته لكسر مسلمات السينما التقليدية كما لو أن تصرفاته وأقواله هي انعكاس شخصي لذات النزعة الإقصائية التي يضخها في شخصياته.
التراث الياباني
واصل ناغيزا أوشيما ترسيخ اسمه في ساحة السينما العالمية، ملحقاً فيلمه المثير للجدل برائعته الأخرى Empire of Passion (1978)، والذي حاز به على السعفة الذهبية في مهرجان كان، مستعيداً حكايا الأشباح المستمدة من التراث الياباني الثري برمزية غيبياته، حيث يتناول الفيلم قصة عشق بين رجل وامرأة متزوجة يندفعان في خطة لقتل زوجها، يحدث الأمر كله بطابع أوشيما الجريء وإسقاطاته السياسية والاجتماعية الحادة.
واصل بعدها صنع عدد من الأفلام لم تحظ بذات النجاح النقدي لسابقاتها، ولم تبلغ طموحها في مواكبة عصرها. وإن كان من المحزن اليوم أن ينظر البعض لأفلامه كما لو أنها مجرد جزء من ماضٍ انقضى وتغيرت ظروفه.
