في الطريق باتجاه منطقة النوف في الشارقة، فتحت المذياع أبحث عن أغنية وطنية، كإحدى عادات الاحتفال باليوم الوطني، وإذا بي أُشغل أسطوانه (CD ) أنتجتها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، لمجموعة أغنيات وطنية تغنت للمناسبة ، توازياً مع سبب الزيارة إلى الشارقة لملاقاة عبيدة الشحي. شخصياً لا أعرفها إلا عبر الإعلام كأول ممرضة إماراتية وأول امرأة تشارك في مسيرة وطنية في عهد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان .. اتصل بي ابنها خالد يُزف لي عطاءها الوطني قائلا: " البيان"، أهلا بكم، أمي تحوّل بيتنا إلى احتفال سنوي بالثاني من ديسمبر، وأود فقط منكم، المرور للتوثيق، ليس للإعلام، بل للتاريخ".. وصلت حيث البيت، وجلست أتأمل ما شاهدته في اللقاء.
في الحقيقة ارتسم في داخلي تفاعل إنساني، فقد صنعت عبيدة من جدار البيت الخارجي، مشهداً تراثياً نسجته بيدها ومتحفاً تاريخياً مُصغراً، يروي حكايانا مع البحر والبر والجبل. توجهت مباشرة لإلقاء التحية والسلام، وقلت: " هلا يمه عبيدة ، ما شاء الله عليج، محتفلة بالإمارات، ومسوتلنا سوالف جديمة". ردت: " هيه، ودي أقول للشيوخ وعيالنا في الإمارات كلهم، نحن شعب ينتج بيده ويعبر عن ثقافته وتاريخه، وألي أشوفونه بعض من ما أحمله لتراب بلادي".
من هي؟
عبيدة سيدة إماراتية مواليد منطقة شعم في رأس الخيمة، انتقلت بعمر 9 سنوات في أواخر الستينات إلى الشارقة. اعتدنا مشاهدة البيوت التراثية وهي تحتفي بالمقتنيات التاريخية، وتستثمر الأيام الوطنية خاصة، لإبرازها وتعزيز مكانتها في مفهوم الهوية الوطنية. ولكن عبيدة تحديداً، أوضحت فعلها الاحتفالي بمفهوم الذاكرة، وإعادة معايشتها لتلك الحياة الصعبة وتعريفها للجيل الحالي، وهو إحساس متجدد تؤمن بأهمية ترسيخه في عمق إنسان هذه الأرض، لافتة إلى أنها تقدم أبناءها نموذجاً في حب الإمارات.
وبينت حول ذلك: " نأكل دائما على مائدة واحدة، هكذا هم الإماراتيون، مهما تغيرت عليهم الحياة وتبدلت، يجب أن نؤمن أن العائلة هي عماد المجتمع، والأساس الذي يقوم عليه، انظروا حولكم هذه الزينة الوطنية، جعلتهم يشاركونني آراءهم حول صناعة بعض المقتنيات والحياة البحرية والبرية القديمة، لا أسمح لأحد بصناعتها، وأشعر بتسرب إحساسي في كل قطعة".
"مبروكين يا عبيدة"
أثناء استغراق عبيدة في شرح ما صنعته للمناسبة، وإذا بسيارات الجيران تمر بجانب البيت، وتقدم تحياتها لها: " مبروكين يا عبيدة، هلا خالد ، مبروكين ". فعلاً موقف جميل استوقفنا، لأنه فعل أهل الإمارات منذ سنوات، وإعادة معايشته في ظل الحياة المتقدمة والازدهار السريع لإيقاع الانفتاح في الإمارات، يجعلنا أكثر إيمانا بماضينا، الذي رأى منه الشيخ زايد طيب الله ثراه، رهان المستقبل وسبيل حياة أفضل لفكر حاضر الإنسان الإماراتي.
الجيل الجديد
الجميل في رحلتنا هو خالد، ابن عبيدة، لفتتنا حركة الانسيابية واندفاعه لما تعمله والدته، منذ تواصلنا معه في الهاتف إلى لقائنا به مباشرة، تراه يؤكد كلامها، ويتفاعل مع إحساسها، وعند سؤالنا حول شعوره، بين أنه تشرب من رحيق والدته معاني الوطنية، تجعلنا نلمس صورة زايد رحمه الله ونحدثها.
ولفت إلى أن قربهم من نبض عملها اليومي، وإصرارها على رد الجميل للإمارات، جعلنا نشاهد زوايا الوطن بوجه آخر، وهو العمل والإنتاج.

