كانت الجدة، قمراً يضيء ظلمة الليالي بقصصها الشعبية المشوقة الجميلة، وصوتها الذي يبعث الدفء لدى الصغار عندما يتحلقون حول موقد الحطب. ويقول أحدهم: «جدتي قولي لنا خروفة».

فتبدأ بـ: «كان يامكان في قديم الزمان...»، لتذهب بخيال الطفل الذي يحلق مع آفاق الحكاية بلا حدود، وتنتقل من حدث إلى آخر، وتعيده مرات ومرات، إلى أن يستغرقوا في النوم، فيخفت صوت الجدة شيئاً فشيئاً، ولا نكاد نسمعه، فقد سكتت عن الكلام، ولم يخلفها أحد ليكمل عنها الحكاية، وتحولت هذه الأيام إلى ذكريات جميلة عند بعضهم، يتحدثون عنها أحياناً في جلساتهم الخاصة، ويتذكرون أسماء الحكايات، بأحداثها وأبطالها، ويقولون إنها خرافات جدة.

عناصر ومتغيرات

جعل دخول الإنسان في الإمارات إلى ما يعرف بالثورة الرقمية التي غزت جميع مجالات الحياة، بل وأصبحت محوراً أساسياً في حياة الإنسان المعاصر، الكثيرين، يطلقون، تجاوزاً، على إنسان العصر الحالي، بالإنسان الرقمي، دلالة على ظهور عناصر جديدة ومؤثرة غيرت من شكل وطبيعة الإنسان المعاصر..

وبدأت، الآن، المؤثرات الثقافية الحديثة تؤثر في الحكاية الشعبية وحضورها وشعبيتها، من مدارس وجامعات وظهور كتّاب قصة وشبكات إنترنت وانتشار التعليم على أوسع مستوى، وسيطرة النزعة المادية على المجتمع، والتي أخذت بدورها، تقضي على أوقات الفراغ، حيث كان المجال الحيوي لهذا النوع من الأدب الشعبي واسعاً ووافراً في ما مضى، هكذا، فإن كل هذه العوامل بكاملها، قضى اليوم على فن الرواية الشعبية، وعزلها عن الأجيال الجديدة التي لم تعد تسمع بها كلياً.

قيمة لا تموت

يقول الدكتور موسى سالم الهواري خبير تراثي في إدارة التراث المعنوي في هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة: «إن هذه الحكايات والقصص تعتبر شيئاً من الموروث الشعبي القديم، والتي كانت تستخدم عادة لشغل أوقات الفراغ لدى شريحة الأطفال.. وساهمت هذه القصص والروايات في ضبط السلوك الاجتماعي.. ولعل الروايات الشعبية التي درجت على لسان العامة، وسيلة من وسائل التعليم والتثقيف، حين غابت المدرسة، وندر المتعلمون، خاصة قبل قيام الاتحاد».

يؤكد الباحث الدكتور موسى سالم الهواري، حول مشروع جمع وتوثيق الرواية الشفهية، الذي تقوم به إدارة التراث المعنوي في هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة: «في إطار توجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بصون الهوية الوطنية، قامت الإدارة بجهود كبيرة في مجال الجمع الميداني لإمارة أبو ظبي، خاصة المشروع المستمر «مشروع الجمع الميداني الشامل للتراث المعنوي في إمارة أبو ظبي»، والذي يتضمن برامج وباحثين وجامعيين ميدانيين لمختلف عناصر التراث المعنوي في مناطق أبو ظبي والعين والمنطقة الغربية..

ومن أبرز الموضوعات التي تم جمعها، موضوع السرد الشفاهي، أو الحكايات الشعبية أو الخراريف، من المناطق الثلاث المذكورة آنفاً».

جماليات وأهمية

تعرف الباحثة عائشة الظاهري الخبيرة في هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، الخروفة وعناصرها: «الخروفة الشعبية هي عبارة عن قصة قصيرة مسلية، تهدف إلى إيجاد نوع من الخيال الواسع لدى الأطفال.. فتؤهلهم ليكونوا معتمدين على أنفسهم في المستقبل لاتخاذ قراراتهم المتعلقة بهم، وبذا، فالحكاية الشعبية بشكل عام تأخذ في طابعها إطار الجلسة الجماعية، ما بين راوي الحكاية: (الجد أو الجدة أو الأب أو الأم).. وبين متلقي الرواية، وهم في العادة الأطفال...».

 

 

أشهر الحكايات

 

 

 

تقول الباحثة عائشة الظاهري: «يتداول الناس في مجتمعنا الإماراتي، عدداً من الروايات المشهورة التي تروى أحياناً بأشكال مختلفة، مثل حكاية (بنت السماك) و(أبو زيد الهلالي) و(عليا الهلالية).. بالإضافة إلى خراريف كثيرة تجسد الكرم والشجاعة، وحكايات على ألسنة الحيوانات والطيور».