بيل غيتس مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة مايكروسوفت العالمية، وثاني أغنى رجل في العالم ابتدأ كلمته في قمة أبوظبي للإعلام، ليؤكد في حديثه "في كل مرة أزور فيها هذه المنطقة تتموضع أمامي تغيرات إيجابية جديدة".
أبدى بيل غيتس إعجابه بقادة المنطقة وجهودهم في تدعيمها وفهم احتياجاتها واهتمامهم بمستقبل العالم الخارجي أيضا.
أضاف أن تطور التكنولوجيا وخطط العطاء والإعلام الجديد، كل ذلك منح المنطقة دورا محوريا في مكافحة الأمراض والمجاعات، المضافة إلى سلسلة عطاءات المجتمع الإسلامي.
تمحور حديث بيل غيتس حول التفاؤل والإحسان وهما سبب تأسيسه لمؤسسة خاصة مع زوجته ميليندا. ففي ظل الأوضاع السيئة للتعليم والزراعة والصحة حول العالم، وأيضا أوضاع الأطفال، والتي هي من أهم القطاعات الإنسانية. وجاءت بالمقابل مبادرات كثيرة ومن شتى الأماكن في العالم تدعو إلى التفاؤل، وأن المبادرات الطيبة تصل وتنتشر ليعم خيرها في العالم أجمع، وهو أكبر إنجاز يمكن جنيه.
المشاركة والرغبة في الاستمرار بالعطاء هو سبب قدوم بيل غيتس لمنطقة الخليج، وهي في الوقت نفسه تهدف إلى ضمان انهمار مطر العطاء والاحسان وانتشاره وتوسعة آثاره حول العالم.
شلل الأطفال
تحدث بيل غيتس عن لقائه بقادة ومواطنين مرموقين لطلب المساعدة في إنهاء شلل الأطفال. وأشار أيضا أنه في سبعينيات القرن الماضي وبعد أكثر من 10 آلاف سنة من المعاناة مع مرض الجديري وموت مئات الملايين من الناس تمكن العالم من القضاء عليه.
أضاف أن الهدف التالي للوصول إلى الصحة العالمية هو القضاء على شلل الأطفال. فبالرغم من الجهود التي بذلت على مدار العشرين سنة الأخيرة، وتقليص أعداد المصابين بشكل كبير لتصل إلى 99%، بعد أن كانت الأعداد عالية تصل إلى ما يقارب 400 ألف حالة سنويا، وصلت إلى أقل من 200 حالة حتى هذا العام. إلا وأنه لا تزال هناك حالات تعاني من هذا المرض في أفغانستان ونيجيريا وباكستان. ومن المعروف أن الوصول لهذه المناطق والبدء في إعطاء اللقاحات للأطفال يتكبد عناء كبيرا، حيث نوه إلى رحلته إلى نيجيريا والعوائق التي تقف في سبيل أخذ اللقاحات، فمثلا الأمهات والأطفال في هذه المجتمعات يحتجن إلى أخذ الإذن من الآباء، إلى جانب رغبتهن في سماع رأي أئمة الدين بشأن هذا الموضوع.
قال بيل غيتس: "أطلقنا لقب "عقد اللقاحات" على السنوات العشر الأولى من هذا القرن التزاما من مؤسستنا بإنفاق 10 مليارات دولار، على أن يتم استثماره في البحث والتطوير وتقديم اللقاحات لأفقر أطفال العالم، وصل خلالها عدد وفيات هذه الفئة إلى أدنى مستوياتها الممكنة. وأضاف: "أنا سعيد جدا لوجودي هنا اليوم في هذا المكان لأكون أجمل الصداقات والشراكات لنكافح معا في تحقيق الأهداف الإنسانية".
ولفت إلى أن مؤسسة بيل غيتس تركز على مرض شلل الأطفال كأولوية لأن القضاء عليه ممكن في ظل تناقص الأعداد، وهذا ما سيوفر نظاما صحيا أفضل لأفقر الأطفال في دول العالم، إلى جانب تمكين المؤسسة من بناء قاعدة لنظام لقاحات قوي يمكنه القضاء على الأمراض الأخرى، والطريق إليها يبدأ من وصول اللقاحات إلى كافة المناطق الخطرة في العالم.
العطاء في منطقة الخليج
في المناطق القبلية الباكستانية تحديداً، والمعاناة الطويلة مع زعماء حركة طالبان، قال بيل غيتس أن العاملين في مجال الرعاية الصحية لا يمكنهم دخول المناطق لتطعيم الأطفال، ولا حل يذكر أمام عائق عدم التجاوب.
لكن وبمساعدة الشيخ محمد بن زايد وعلاقاته الودية العميقة بمنطقة باكستان، تفاوض مجموعة من أطباء دولة الإمارات العربية المتحدة بعد دخولهم إلى باكستان مع قادة طالبان ونجحوا في أخذ الإذن للدخول إلى المناطق الحرجة.
وكنتيجة، تمكن الأطباء من تطعيم 20 ألف طفل ضد مرضي شلل الأطفال والحصبة، مما تركت أثرا طيبا في نفوس أولئك الأطفال ووالديهم، وهو أيضا إنجاز بالنسبة لقضية الصحة العالمية.
ذكر بيل غيتس أن باستطاعة منطقة الخليج –كشركاء لمؤسسة بيل غيتس- أن تلعب دورا محوريا في تحسين حياة الفقراء. من خلال إمكانية الوصول لتلك المناطق عبر العلاقات الخاصة القادة والمواطنين بتلك الأماكن. يمكن للقادة والمواطنين هنا الوصول كشركاء إلى- المناطق التي لا يستطيع أي بلد آخر دخول هذه المناطق بالطريقة التي يتمكن أصحاب هذه البلد-.
صرح بيل غيتس أيضا عن مبادرات تمت بالشراكة مع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد في سبيل إعطاء التطعيمات في أفغانستان وباكستان، وما كانت لتتم لولا هذا التعاون. وكنتاج لما بدأه الشيخ محمد توالت الشراكات مع أشخاص آخرين كان لهم مثل هذا الأثر في نطاق اللقاحات وتوفيرها حول العالم. والعطاء لا يجلب سوى العطاء.
أيضا تطرق غيتس إلى ذكر توقيع مذكرة تفاهم تدعم اثنين من أولويات الصحة الرئيسية، وهي القضاء على شلل الأطفال والعلاج والوقاية من الأمراض في المناطق المدارية المهملة. جمعت المذكرة بين "الأنصاري للصرافة" و"مؤسسة بيل وميليندا غيتس للأعمال الخيرية"، مشيرا بأنها شراكة وتعاون تفخر وتتشرف المؤسسة بها.
من جهة أخرى تطرق إلى ذكر مواقف وأشخاص تعرف عليهم في منطقة الخليج، منها مصادفته لعائلة مرموقة في أكثر من مشروع خيري، وذكر طيب تعاملهم مع المؤسسة ومساهماتهم الجزيلة في العطاء، كأفراد يعكسون أصل المكان الذي ينتمون له ويتعاملون بتقاليد إسلامية سمحه دون تكبر أو استعلاء بغض النظر عن المكانة الاجتماعية العالية التي ينتمون إليها، وأنهم مصدر إلهام وعطاء للآخرين في مجال البذل والتفاني من أجل حل مشاكل الفقر.
صندوق خليفة ودبي العطاء
من المبادرات والمساهمات التي قدمتها المنطقة، مبادرات مؤسسة خليفة وتوفير المساعدات الغذائية، أيضا برنامج دبي العطاء لدعم برامج التعليم. كذلك مساهمة رئيس دولة الإمارات، الشيخ خليفة بن زايد في تقديم الدعم لاستئصال دودة غينيا استكمالا لخطى الراحل الشيخ زايد، الذي كان واحدا من أقرب أنصار برنامج الاستئصال.
هناك عوامل كثيرة تفسر السبب الذي جعل من هذه المنطقة محورا مهما في الجهود الإنسانية حول العالم. منها عامل استراتيجية العطاء والاحسان، فقد أصبح استيعاب الناس في العالم أكبر من حيث الأثر الذي يمكنهم تحقيقه عبر فعل "العطاء". والعامل الآخر أن قابلية التأثير وفاعليته تتوسع من خلال اثنين: الإبداع واستثمار للتكنولوجيا، ودليل ذلك دولة الإمارات واستثمارها للتكنولوجيا في جامعة خليفة حيث طرحت أول برنامج للهندسة الطبية الحيوية إضافة إلى أن التدريب يمارس على أراضي الدولة نفسها. أيضا مشروع مدينة مصدر في أبوظبي ودمجه بين الدراسات والأعمال المتخصصة في مجالات الطاقة المتجددة.
ختام
أوصى غيتس بالتعلم من التجربة الغربية في مجال التكنولوجيا والاستفادة منها، لأن الغرب وعلى مدار السنين فعلت نتائج الأبحاث والدراسات في خدمة أغنياء البشر. لكن الأمل الآن يقع على تجربة منطقة الخليج، بأن تكون ذات آثار وفوائد تخدم فقراء الناس وتساهم في حل مشاكلهم، أي أن تكون أقرب للمشاريع الإنسانية في جوهرها وفحواها.
أضاف غيتس أن العامل الأخير الذي سيرتقي بالإنسانية هو "الإعلام"، فهو يؤمن بأن الإعلام "صوت" للتفريق بين جيد الأمور وسيئها. فالمنطقة تستقطب كبرى المبدعين والمساهمين في مجال الإعلام، وتكثيف التغطيات حول فئة الفقراء والتركيز عليهم من خلال هذه الأداة القوية، سيساهم في تسليط الضوء عليهم وإيصال أحوالهم للأغنياء الذين يملكون عوز المساعدة والعطاء. وبالمقابل وصول هذه الأداة إلى الفقراء وتعريفهم بالأخطار التي تحدق بهم والأمراض التي تهدد حياتهم وتقديم المعلومات الصحيحة عن نوع العلاج اللازم.
واختتم حديثه بمدح التقاليد الإسلامية وسماحة الدين التي تحث على العطاء والبذل، والتي تمكنت المنطقة بفضلها من أن تكون الأسبق في حل مشاكل الفقراء، إلى جانب أن الازدهار والمهارات التكنولوجية مكنت المنطقة من تطوير أجندتها الإنسانية، منوها بأن الإبداع في الجانب الإعلامي مكن المنطقة من إيصال صوت الفقراء للعالم أجمع. وعبر غيتس عن تفاؤله بالمستقبل، فلطالما تواجد الفقر، لكن التكنولوجيا لم تكن موجودة من قبل للمساهمة في إنهائه. لكنها الآن موجودة .
