ألبرتو باربرا المدير الفني لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي الذي اختتم فعالياته في جزيرة الليدو قبل أيام عدة، حمل معه إلى جمهور المهرجان مجموعة مهمة من الأفلام السينمائية العربية، من روائية إلى وثائقية، والتي تميزت بأنها أخرجت بأيدي الشباب، فكان هناك فيلم "وجدة" للمخرجة السعودية هيفاء المنصورة، وفيلم "يا من عاش" للمخرجة التونسية هند بو جمعة، وهو فيلم وثائقي يعكس التحولات التي عاشها المجتمع التونسي، ولذلك يمكن اعتباره صفعة على وجه أولئك الذين تناسوا الشعب التونسي ما بعد الثورة، ويستعرض الفيلم حياة امرأة شابة مطلقة ولديها أربعة أولاد، عاشت قبل وبعد حكم زين الدين بن علي، وشهدت التحولات الكبيرة التي وقعت في تونس.


بمتابعة فيلم "يا من عاش" تشعر بأنه أكبر من كونه فيلماً وثائقياً، بسبب ما يعرضه من مشاهد ومن قسوة الحياة التي تواجهها هذه المرأة مع أولادها، ويمكن القول إن المخرجة هند بو جمعة أنجزت من خلال فيلمها هذا وثيقة مهمة، تصور ما يحدث في تونس وفي البلدان العربية عموماً، وتصور حالة عائلة يمكن أن تكون صورة عن معظم العائلات العربية.


عائلة واحدة
وعن الطريقة التي اهتدت فيها هند على بطلة الفيلم، قالت هند: "وجدتها في الشارع، فبعد الثورة ورحيل بن علي كان الجميع متواجداً في الشارع، حينها كنا نشعر إننا عائلة واحدة وإننا أصبحنا شعب قوي، وكانت هذه السيدة منزوية مع ولدها في إحدى جنبات الشارع، الأمر الذي دعاني للحديث معها والتعرف إليها، ومع اقترابي منها شعرت من خلال تقاطعات وملامح وجهها بأنها تنضوي على معاناة كبيرة، وخلال ساعة فقط قررت أن أتبعها، واتعرف على قصتها وتوثيقها".
ما يميز فيلم هند إنها بحثت فيه عن المواطن الذي يطالب بحقه، وفي ظل التحولات التي عاشها المجتمع التونسي عموماً، وبعد مرور ما يربو على سنتين على سقوط بن علي والأحداث التي تشهدها المنطقة العربية، كيف تنظر هند كشابة مخرجة ومثقفة وكمواطنة في الأساس إلى ما يجري على أرض الواقع؟


وعن ذلك قالت هند: "ما يذهلني أن هناك من يدعي بأن المجتمع التونسي قد تغير بعد الثورة، وأن ناسه لم يعودوا كما في السابق يحبون بعضهم البعض، في الوقت ذاته يذهلني أيضاً إن هناك من يدعي إنه يعلمنا الديمقراطية، في حين أن بن علي فضل أن يضعنا في قالب واحد، وأخذ يتعامل معنا بطريقة الديكتاتورية". وأضافت: "حالياً نحن نتعلم الاختلاف بين بعضنا البعض، ووجود حكومة اسلامية في سدة الحكم حالياً انعكاساً للاختلاف الذي نبحث عنه، وهذا الأمر لم يكن هينا في زمن بن علي الذي استمر طويلاً، وهناك أمر أخر يجب التطرق إليه، إننا لا نزال في حالة لا نتمكن فيها من اتخاذ القرار، وهذا نتيجة لشعورنا بالخوف أحياناً، ونحن نسعى حالياً إلى إبعاد الجميع عن الخوف، والاقتراب أكثر من الشيء الذي نحاول بناءه، ولا يجب أن نحكم على الواقع بسرعة وإنما يجب علينا الانتظار لبعض الوقت لتحديد الطريقة التي يجب أن نتعامل بها، ولا يزال لدينا نحن الشعب قوة الانتخابات التي يمكننا من خلالها إحداث التغيير".

المشهد السينمائي
في معرض تعليقه على الفيلم قال المنتج حبيب عطية: "الأفلام الوثائقية التي تروي قصة لها مكانة كبيرة في المشهد السينمائي العربي والتونسي بصفة خاصة، وفيلم مثل هذا كان من المستحيل أن يتم إنتاجه إبان فترة حكم بن علي، التي كان خلالها يمنع علينا معالجة واقع المجتمع التونسي، وبلا شك أن هذه الفترة مثلت انفتاحاً جديداً للسينما التونسية وحتى العربية عموماً".