هل تحتاج الكتابة للطبخ نفساً خاصاً، أم روحاً تؤمن بأهمية الذوق في تناول وجبة خاصة، تحمل تاريخاً وبعداً إنسانياً، وتحكي قصص الوطن وتراث الأجداد. أم نكتفي باعتبار المائدة، وجهاً آخر لقانون فلسفة البقاء. وأن الجمال في تفاصيلها، يعد لوناً جديداً يدعو للتنوع، وبتالي، يقدم ضمانات الثراء لمن يعدها ويؤسس حضورها، وهو الشيف.

في الحقيقة، مجموعة تساؤلات قدمت نفسها للتعريف بمحتوى ومضمون كتاب حمل عنوان «سراريد»، الذي لاقى إقبالاً نوعياً لقراءته، لما حمله من ثقل توثيقي لأكثر من 80 وصفة تراثية إماراتية قديمة، إضافة إلى استثمار المكونات القديمة بحله، وأشكال جديدة تناسب البيئة المعاصرة بتحولاتها، في طقوس تناول الأطعمة المحلية.

حيث قامت من خلالها الشيف الإماراتية خلود عتيج، صاحبة الكتاب، بتقديم موهبتها في الطهي، سعياً في صناعة احتفاء تاريخي بالمطبخ المحلي، وإيماناً بأهمية وجود مصدر يعكس مدى تطور فن الطبخ في الإمارات، ونشر خصوصيته ضمن المطابخ العالمية.

ذاكرة وطنية

هل للمذاق ذاكرة.. سؤال توجهنا به إلى الشيف خلود، والتي بينت فيه أن العادات والتقاليد في الضيافة الإماراتية، قديماً وحديثاً، قيمة إنسانية، وواجهة لهويتنا لا نستطيع التخلي عنها، أو نسيانها.

واعتبارها بمستوى التاريخ والذاكرة الوطنية، مسؤولية اقتضت منها البحث العلمي العميق، والزيارات الميدانية المتنوعة للمسنّات في مختلف إمارات الدولة، تحليلاً وتدقيقاً، في المراحل الزمنية للمطبخ الإماراتي، وتطور كيفية الوجبات، وطريقة إعدادها بين كل إمارة وإمارة.

ومن جهة أخرى، أوضحت خلود أنها توصلت، عبر خلال البحث، إلى تعديل الكثير من الوصفات التقليدية، لجعلها أكثر جاذبية للشباب اليوم. وأطلعتنا على سبيل المثال، أن طبق السلطات في الإمارات، يمتلك رافداً قليلاً، مقارنة بباقي الأطعمة في المطبخ المحلي، إلا أنها عمدت إلى ابتكار وصفات جديدة، أدرجتها في الكتاب.

توثيق شعبي

«هناك جهود جبارة، بذلتها الأمهات والجدات، جعل لزاماً علينا، الإبحار في عالم المأكولات الإماراتية، سواء عند مناطق البدور والحضر»، هنا اعتبرت خلود أن عملية التوثيق هي الفرصة التي سعت من خلالها لإضفاء خصوصية هوية مطبخنا الإماراتي، مبينة أن لهذا الناتج الوطني في مجال الطهي، قصصاً واقعية وخيالية، وأمثالاً شعبية، توجتها اللهجة المحلية بمسميات عريقة ارتبطت بها، واختزلتها بمضامين ذائقة مورثة.

لافته إلى أن الكتاب لم يقتصر فقط على التنويه إلى أنواع الأطعمة وطرق استخدامها، بل تشعب إلى عدة فصول، منها: المشروبات، الفوالة، الخبز الإماراتي، السلطات، الشوربات، الأجار، السمن والبهارات، المواد المحفوظة، العيش، الأطباق الرئيسة البر والبحر، إضافة إلى معجم الألفاظ الإماراتية العامية، وتقاليد الضيافة الإماراتية. وأشارت أن ترتيب الفهرس في كتاب «سراريد»، جاء بالترتيب من المشروبات وصولاً إلى الأطباق الرئيسة، بحسب تقاليد الضيافة الإماراتية المتعارف عليها.

وفي سياق الحديث عن اللهجة المحلية في المطبخ الإماراتي، قالت الشيف خلود، إنها في العديد من اللقاءات الإعلامية، وبالذات في برنامج الطهي الذي قدمته عبر شاشة قناتي سما دبي وأبو ظبي، توصلت إلى أن العديد من رعيل الجيل الثاني والثالث، لم يتعرف لبعض المسميات والألفاظ المحلية التي استخدمتها، أثناء إعدادها للأطباق على الشاشة، ما جعلها تصنف محور معجم الألفاظ المحلية، في الكتاب، تدعيماً للفهم التراثي لمكونات ومسميات المكونات المستخدمة في طهي المأكولات المحلية، وترسيخاً للبعد التاريخي والثقافة المحلية لمستخدمي الكتاب.