إذا لم يكن الإصرار على تحقيق الذات والطموح دافعا ومحركا للفرد، فإنه ينكسر من أول خطوة يخطوها في مشروعه الخاص، وإن لم تكن العزيمة والإرادة قوية بحجم الرؤية والأهداف والرسالة فإن المرامي لا تصل إلى مرادها من أول خطوة، فالنجاحات لا تتحقق بالأماني، والسماوات لا تمطر ذهبا .

كما يقال، والإنجازات لا تتحقق إلا بعد جهود مضنية ومخاضات متعددة، وقصص النجاح لا تكتب برحيق التمني والانتظار، وإنما بعرق الجبين والصبر والمثابرة والتصميم، مثل هذه النماذج والأمثلة التي نتطلع أن تكون لدى شرائح من أبنائنا لكي يحفروا عن النجاح بأظفارهم ويغرسوا البصمات في ميادين العمل بجهودهم التي لا تلين، وعزائم لا تعرف الكلل، لا تستسلم لليأس .

 وعبرت الفتاه العمانية سلمى بنت حمد الحجرية صاحبة شركة سلمى للشوكولاتة عن رأيها : حلمت بأن يكون لها مشروع يتوافق مع حبها للشوكولاته، وأن تمزج بين ما تحب وما تتطلع أن تكون صاحبة أعمال يشار إليها بالبنان، وظلت هذه الرغبة الدفينة بين أضلاعها تراودها بين الحين والآخر في البيت والمدرسة والجامعة. تسابق الأعمال الحرة طموحاتها وتطلعاتها، ولم تثنها يوما ما، بل ظلت تعمل بكل الطرق لتحقيق هذا المنجز بأدوات بسيطة لا تتجاوز خمسة ريالات، لكن بهامات عالية تعلو إلى عنان السماء طموحا، وبقوة إرادة أصلب من الجبال، وبطول بال وصبر أيوب!

إعلامية

سلمى الحجرية درست الصحافة والإعلام بجامعة السلطان قابوس وتخرجت العام 1996، ومن شدة ولعها بالعمل والجد والمثابرة، عملت في إحدى الشركات بعد شهر واحد من التخرج كبائعة ورد وبراتب رمزي جدا لا يتجاوز مائة ريال فقط، وتعمل من الساعة الثامنة صباحا حتى العاشرة ليلا بدون توقف، وبدون أن ننتظر قطار الوظيفة الحكومية الذي وصل لزملائها بعد خمس سنوات من التخرج أي في العام 2001، في حين كافحت هي في شغل وقتها بأعمال كثيرة تنقلت خلالها من شركة إلى أخرى، ومن وظيفة إلى أخرى كلها لم يكن في مجال تخصصها ودراستها ولكن كانت تعمل على أمل أن يأتي اليوم الذي يتحقق فيه طموحها في العمل.

وكذلك يراودها حلمها في تحقيق مشروعها التجاري ببيع الشوكولاته، وعملت في العديد من الشركات مثل محمد البرواني كسكرتيرة، وبعدها انتقلت إلى العمل في الجامعة بوظيفة مؤقتة في قسم الإعلام بكلية الآداب، وبعدها ثبتت في العمل بوظيفة، إلا أنها لم تكتف بتحقيق جزء من حلمها بالوظيفة كأي مواطن أو مواطنة، وإنما حلمها الكبير يكبر بتدرجها في الوظائف والمسؤوليات، ويكبر معها شيئا فشيئا، على أمل أن يتحقق في يوم ما، وهذه الأماني والتطلعات اقترنت بمحاولات غير يائسة مع صعوبة البدايات وقسوة التعقيدات.

وبدأت العام 2009 بمشروعها من شقة أهلها بالخوير تعمل في تصنيع الشوكولاته غير مستحية بأنها تعمل من منزلها مؤمنة بأن البدايات الصغيرة تكبر بمرور الأيام، ومع الطموحات الكبيرة، وضاربة أروع الأمثلة في الجدية والقدرة، ومقتدية بالقول " إذا أنا أستطيع فأنت تستطيع" في إشارة واضحة إلى الشباب بأن يحاول ويحقق أمانيه، فليس هناك صعب أو مستحيل كما تقول.

تحقيق النجاح

ويبدو أن سلمى فخورة بتحقيق هذا النجاح في أن تكون لها علامة تجارية عمانية في فضاء العلامات التجارية في عالم الشوكولاته، لأنها بدأت فكرتها بخمسة ريالات فقط بشراء خامات الشوكولاته لكي تصنعها في شقتها كبداية بسيطة ولكن كبيرة في معناها وفي حقيقتها غير مبالية بما يقوله البعض عنها، وأضافت: بدأت بمحاولة كانت غير موفقة ولكنها لم تثنها عن تحقيق طموحها كالبعض الذي يسقط من أول اختبار ويستسلم من أول محاولة فاشلة، فهي ترى أن تجاوز الفشل علامة النجاح، وأن الفرد الذي لا يذوق طعم الفشل والخسارة لن يلعق طعم النجاح، ولن يسيل لعابه لطعم الربح.

وهكذا تمضي مسيرة سلمى التي تبدو واثقة من نفسها بعد ما استطاعت أن تشقها بنجاح في طريق وعر مليء بالأشواك، وتضيف خلال الشهر الأول الذي تجاوزت فيه صدمة الفشل بدون تراجع، بعت أول كيلو من الشوكولاته، وحفزني على الاستمرار في هذا المشروع، وأن هناك بارقة أمل تلوح في أفق العمل التجاري.

مبادرات

وأقنعني وأقنع أسرتي في المضي قدما في هذا المشروع الذي بدأ صغيرا، وأشارت إلى أن عامين كاملين ظلت تعمل من شقتها، ويتزايد العمل شيئا فشيئا ببعض المبادرات من الشركات التي تشتري منتجاتها المصنعة في المنزل، إلا أن بعض الشركات ترفض ذلك، غير أن ذلك لم يثنها عن البدء في مشروعها، بل كان دافعا لها للخروج إلى العلن من خلال شركتها التي تقع في العذيبة، وبدأت خطواتها الأولى بفتح سجل تجاري نهاية 2009.

واختارت اسم سلمى للشوكولاته كعلامة تجارية ليس لكونه يحمل اسمها وإنما لأنه يعني السلم وأيضا اسم بسيط وسريع الحفظ وترسخ علامته في السوق بسرعة تسهم في تسويق منتجاتها، ويعكس في ذات الوقت شخصيتها وهوية عمانية من خلال ما تقدمه من منتجات عمانية صرفة، وبأيد عمانية ونكهات عمانية أيضا، وتقول: في عام 2011 بدأت تتكون لنا سمعة في السوق واسم في عالم الشوكولاته، وقررنا أن نفتح محلا يكون معبرا عن العلامة التجارية.

 

الاقتراض للبداية

 

تقول سلمى: اقترضت من أحد الأهل مبلغا لإنشاء المشروع للخروج من مظلة المنزل، إلا أن المبلغ لم يكف لتسيير المشروع كما ينبغي، وبدأت تحاصرنا المشكلات المالية والضائقة المالية لإنشاء المشروعات التجارية الصغيرة والمتوسطة، فالتمويل كما ترى هو حجر الزاوية للمشاريع الصغيرة، ولكن كما ترى فإن التصميم والاجتهاد للاستمرار في المشروع كان هدفنا، لذا لم نستسلم لما واجهناه من مشكلات، وجاء الفرج عندما التقيت وزير التجارة والصناعة بأحد المعارض.

وشرحت له المشروع والمعاناة، وجزاه الله خيرا وقف معنا وقفة ما كنا نستطيع أن نستمر لولا هذه الوقفة، التي تشير إلى أن هناك من الشباب من يحب أن يعمل وأن يرى هذه المشاريع ترى النور، ويذلل كل الصعوبات لها مهما كانت وصعبت.