يشهد مسرح سادلر ويلز في لندن تظاهرة فنية مدهشة تنطلق بالتعاون بين ستة مسارح عالمية تمتد من أوروبا إلى سنغافورة، حيث يحول مصمم الرقصات البلجيكي سيدي العربي الشرقاوي رسوم المانغا اليابانية الشهيرة إلى دفق مذهل من الحياة والحركة والإثارة والموسيقى تحت العنوان الدال للمعرض (تيزوكا).
وذكرت صحيفة (غارديان) في تقرير نشرته، أخيرا، أن هذا العرض اللندني الفريد يستمد موضوعه ووحيه وإلهامه من الرسام الياباني الشهير أوسامو تيزوكا، الذي ارتبط اسمه بدفق هائل من رسوم المانغا التي قدم خلالها أبطالا مثل (أسترو بوي) و (كنبا الأسد الأبيض) و (بلاك جاك) وغيرهم كثير ، وهي شخصيات كرتونية معروفة لكل من ولد خلال الخمسين عاما الماضية، وعشق الرسوم الكرتونية وأبطالها.
وقد كان الشرقاوي عاشقا لإبداع تيزوكا منذ طفولته المبكرة التي أمضاها في بلجيكا، واعتبر هذا العرض الراقص الذي تعاونت في إنتاجه ستة مسارح عالمية تقديرا منه لتيزوكا والإنجاز الذي حققه على امتداد أعوامه الستين، قبل رحيله عن عالمنا.
ويبدأ العرض الراقص الفريد على نحو واعد، حيث نجد ثلاثة عازفين يقدمون موسيقى حية، وهو الأمر الذي درج عليه الشرقاوي في كل عروضه، ثم نتابع الراقص دميان جاليه وهو يمسك كتاب صور مانغا بين أصابع قدمه ويحدق فيه. وكما هو أمر تقليدي في كل عروض الشرقاوي فإن الموسيقى سرعان ما تشعل اللهيب في العرض ، وفي هذه الحال من خلال الموسيقى التي أعدها خصيصا لهذا العرض نيتين سواني ، والتي تشبه في عمق تأثيرها زلزالا عنيفا.
في مقدمة المسرح نجد راقصا يشبه في مظهره حكيما وقورا وكأنما يجسد شخصية الفنان نفسه، وقد بدا عاكفا على إبداع الرسوم اليابانية ولكن ليس على الورق المألوف وإنما على ظهر إحدى راقصات العرض، ثم يرتمي وكأنما تجرد من الحياء على إحدى رسوم المانغا في إيماءة إلى وفاة الفنان تيزوكا عن ستين عاما، ولكن ليس قبل أن يسلم فرشاته العملاقة بعناية لبقية الراقصين.
وفي خلفية المسرح تتوالى عروض فيديو تايكي إيدا البانورامية المواكبة لحركة الراقصين، والتي تجسد حركة انزلاق أوراق الرسم من السقف وتدفقها إلى عالم الراقصين، الذين نلمح بينهم من يجسد أبرز شخصيات تيزوكا، وبصفة خاصة أستروبول.
وينطلق الراقصون في حركات تجسد قيام كل منهم برسم حرف من حروف اللغة اليابانية العديدة، وفي الوقت نفسه تجسيد حركات الفرشاة اليابانية العملاقة خلال استخدامه في الرسم، وأيضا تدفق لفات الورق التي يتم الرسم عليها، وينطلقون في حركات سريعة تشبه تحرك ورق الرسم بكل من مرونته وليونته في تجسيد مباشر لشخصيات المانغا التي لا تنسى وتتوالى خلال العرض الممتد تباعا، مستقاة من كتب سيزوكا، حيث نلمح التداخل البهي والرائع للراقصين وتفاعل حركتهم مع عروض الفيديو، كـأنما نشهد قتال كونغ فو يمتد أمامنا بكل عنفوانه؟.
ولا يكتمل الحديث عن هذا العرض الفريد دون الإشارة إلى تأثير موسيقى نيتين ساولي التي تجمع بين العديد من الأساليب الفنية والإيقاعات المدهشة التي يمكن أن تستحضر فرح عاشق المانغا دون أن تستبعد إحباط الشاعر الذي يتأمل عالما حافلا بالاغتراب ؛ ويقول الناقد سانجوي روي: ( لقد تدفق قدر هائل من الحياة إلى هذا العرض الراقص الطموح، لكن على الرغم من كل جماله فإنه لم يكتسب حياة خاصة به) .
