«فتحنا بالحرب 2006، وعم نسكّر بالثورة 2011».. بهذه العبارة الختامية لرسالة مرفوعة على الزجاج الخارجي لما كان مقهى «ة مربوطة» في شارع الحمرا في بيروت، ودّع المقهى روّاده، وسقط ضحية «حرب» من نوع آخر، هي «ثورة» الطفرة العقارية التي لا تترك بقعة إلا وترى فيها فرصة استثمار تمحو تاريخ كل ما يعترض دربها، وخصوصاً في هذا الشارع الذي اقترن منذ خمسينات القرن الماضي بالتراكم الثقافي للعاصمة بيروت ومخزونها الأدبي والشعري والفكري.
مكانة
بعد «المودكا» و«الويمبي» و«كافيه دو باري»: (المقهى الباريس)، المقاهي «الختيارة» في شارع الحمرا، والتي بفضلها، صنع هذا الشارع تألّقه الذي بات رديفاً لذكره، وحيث صارت بيروت هي الحمرا، جاء دور «ة مربوطة»، لتندثر معالمه في غياهب النسيان وينهار فجأة وكأنه لم يكن، وأجبِر على الاستسلام لـ «جرف»التحوّلات ولمنطق السوق وغلبة الاستثمار وجشع الاستهلاك والربح السريعين، ليقفل بوّابته الأخيرة بلا رحمة ويودِّع شارع الحمرا وذكريات عزّه، من دون أي بارقة أمل بالعودة، وهو الذي كان وفّر لروّاده، بالأعوام القليلة الماضية، مساحة مختلفة بمنطقة تنبض أبداً.
رسالة شكر
وهذا المقهى يعد روّاده بعودة يصرّ على أن تكون في الحمرا، لكن «الوضع صعب وبعض بدلات الإيجار المطلوبة خيالية»، وفق بلال الأمين، أحد الشريكين في المشروع الذي اكتسب سريعاً «شرعية» شبابية ثقافية في قلب شارع يعيش كلّ ما حوله، من الحروب الى الانتصارات.
ومن الخيبات الى الثورات، وآخرها «الاحتفال» في «ة مربوطة» بسقوط الرئيس المصري حسني مبارك. وبالانتظار، فإن الرسالة المرفوعة على زجاج المقهى، شكر «ة مربوطة» روّاده على «الدعم والإقبال والمشاركة في مشروعنا الصغير». واعداً اياهم بـ «لقاء قريب في مكان جديد».
في الماضي القريب
كان المقهى أطلّ، بين فوضى الأسماء الغربيّة للمقاهي التي تتوزّع شارع الحمرا ، بلونه الربيعي الفرِح الذي يطغى عليه الأخضر الحشيشي، مكاناً شبيهاً باسمه العربي الذي يذكّر بحرف من الأبجديّة ينهي إسماً مؤنّثاً، بدرس قواعد عربيّة: «ة مربوطة».. فضاء مدوّر كرغيف ببساطة متناهية، يرى الزّائر وجه نفسه في محيطه. ومن الخارج نحو الداخل، وكما تُكتشف كل الأشياء الجديدة، بدت الـ«ة مربوطة» وكأنها هربت من زمن الحروف الجميلة، لتتخذ مقرّاً لها في الطابق الأول في بناية قائمة في شارع «البافيون» (الحمرا)، وعلى أعلى بوّابة زجاجيّة كانت تستقبل الزائر بطريقة تشبه «الغمزة». أما جوّه، فكان يجمع بين الماضي والحاضر، متميّزاً بحميميّة وألفة خاصّتين بروح الأماكن. وروّاده كانوا مختلفي الأعمار والإنتماءات، ممن لم «يشفِهم» الزمن من إدمانهم «المتوارث»، على ذلك الشارع الذي طالما اتسَع للجميع الشاب والعجوز، المتطرّف والمعتدل.
التقليدي والمتحرّر، العالِم والشاعر.. كانوا يبدون كجزء من الصورة بمقهى بيروتي، بالخمسينات والستينات، يوحّدهم احتراف الرفض .. والنقاش بكل ما يخطر على البال...
